Friday, September 30, 2016

اقرا الفرحة

واحد كان ماسك جرايد بيوزعها في الشارع وسألني:
’’تحب تحصل على أول عدد من جريدة مجانية عن أخبار المدينة الصغيرة هنا؟‘‘
ماشي شكرًا
’’الجريدة ببلاش، واللي يفرق بين الجريدة ده والجرايد التانية هي إن كل الأخبار اللي فيها أخبار إيجابية ومفرحة‘‘

أنا اتلخبطت.. ليه ما فكَّرتش قبل كده إن ما فيش جرايد أعرفها إلَّا وأكيد فيها أخبار وحشة مع شوية أخبار كويسة؟ ده غير الجرايد المتخصصة في أخبار الجرايم والحوادث؟ شكلها إيه الجرايد دي اللي ما فيهاش غير أخبار حلوة؟ يعني ما فيش ’’يقتل شقيقه بعد مشاجرة بسبب طبق فول‘‘؟ ولا ’’عاطل ينتحل صفة جرَّاح ويُجري عمليَّات لأكثر من عشرين سنة‘‘؟ طب ولا ’’القبض على عصابة تخصَّصت في تزوير العملات فئة العشرين جنيه‘‘؟؟

حسيت قد إيه الفكرة عظيمة.. بس برضه سألت نفسي، طب هايجيبوا أخبار حلوة منين؟! ها يملوا جورنال كامل أخبار حلوة؟!
اتبسطت من فكرة إن فيه جورنال ممكن تجيبه وتقراه وماتكونش بتقول ’’يا رب استر‘‘..

فهمت إن الأخبار الحلوة وفي نفس الوقت ببلاش لسَّة موجودة.. الخبر اللي يفرح ويطمِّن القلب ويكون ببلاش هو اللي ممكن يصبَّر ويشجَّع ويعزِّي وسط الأخبار الصعبة والمؤلمة اللي مالية العالم بتاعنا..

الراجل المتطوِّع ده اللي كان بيوزع الجريدة دي راجل هايل.. يا بخته.. يا بخت كل واحد شايل على كتافه أخبار حلوة تدِّي نور وبُشرى لعالم حزين.. وبدل ما ماشي ينادي يقول اقرا الحادثة، ماشي يوزع أخبار حلوة ببلاش!


Monday, July 18, 2016

إحنا ناخد رأي الناس

على اعتبار إن الأعداد مهمَّة، ساعات بنفتكر إن كل ما عدد أكبر من الناس كان مؤيِّد لفكرة معيَّنة كل ما كانت الفكرة دي أقرب للصح، أو على الأقل أقرب للي في مصلحة الناس.. للأسف يا ريت كان اتخاذ القرار بالسهولة دي.. في الأسابيع اللي فاتت شفنا في أكتر من مثال وفي أكتر من دولة، فكرة ’’ياللا بينا ناخد رأي الناس‘‘.. وبفرض حُسن النوايا في الآراء دي، إلا إن الأزمة الحقيقيَّة هي في إن رأي الأعداد الغفيرة من الناس مش مفروض يكون بيتساوى مع رأي المتخصِّصين.. أغلبنا فاهم ومقتنع إن لو أخدنا رأي كل الطلبة يكون فيه امتحانات ولا لأ، يمكن أعداد كبير تختار إنه ما يكونش فيه!

الأزمة طيب فين؟ الأزمة في القرارات اللي محتاجة متخصِّصين.. الآراء اللي أحد نتايجها مصيبة.. هي دي الآراء اللي ما ينفعش يكون ’’رأي الأغلبيَّة‘‘ هو الحاكم فيها..

لو نزلت بلد وعملت ’’استفتاء‘‘ وسألت الناس يدفعوا ضرايب ولا لأ، أو يكون فيه تعليم إلزامي أو لأ، أو سألت كل المرضى يفضَّلوا الدوا ده ولا ده، يبقى كده الموضوع ده هزار.. رأي الأغلبية هو أكتر طرق الديقراطية بساطة (بساطة أقرب للسطحية) لأنها معتمدة بس على ’’الأعداد‘‘، والافتراض الأساسي في حكاية الأعداد دي هي إن زيد زي عبيد زي أحمد زي علي..  كل واحد ليه صوت واحد، وكل صوت زي التاني..

اللي بيسأل الناس رأيها ممكن يكون بيسأل لأنه مش عارف، لكن مرَّات بيسأل عشان ’عارف أو مخمَّن الناس هاترد تقول إيه‘.. بمبدأ ’’الحمد لله أهي جت منهم‘‘.. اللي هو مبدأ ’’شفتوا؟ مش قلتلكم؟‘‘.. ساعات الموضوع بيعدِّي لما بتصادف والناس تختار اللي كان عايزه.. لكن المصيبة دايمًا لما بتصادف و’’الأغلبية‘‘ تختار الرأي التاني..

وقت محاكمة السيِّد المسيح، كان الحاكم مش شايف إن المسيح عمل حاجة يستحق عليها الموت، بس قال ’’أهو نخلِّي الموضوع ييجي من الشعب‘‘ فقالهم بما معناه ’’بصُّوا يا جماعة، أنا كل عيد بأعفو عن واحد.. إيه رأيكم أعفو عن الراجل ده؟ ولا أعفو عن فُلان؟‘‘.. الحاكم كتَّر خيره، لأنُّه كان فاكر إنه بيخيرهم اختيار سهل لأن فلان ده كان معروف عنه إنه مجرم ومكروه.. راحت الجاهير اختارت مين طبعا؟.. اختارت الراجل التاني!


مش هي دي الديمقراطية.. الديمقراطية مش إني أخلط أبو قرش على أبو قرشين، وأقول أهي جت من عندهم.. ما ينفعش أدرس المجال اللي كل أصحابي هايدرسوه ولا أسكن في المكان اللي كل الناس ساكنة فيه لمجرد إن ’’الأعداد‘‘ في صف الاختيار ده..

زي ما بنشوف غرابة في فكرة إننا ناخد رأي الأغلبية في أمور يلزمها متخصصين، ما يمنعش إن رأي الأغلبية ليه مكان وليه استخدام.. استخدامه لما تكون ’’كل‘‘ الاختيارات تنفع.. بنختار ناكل في أنهي مكان، أو نلعب أنهي لعبة، أو نتفرج على أنهي فيلم.. لكن لما الموضوع يكون متعلق بأمر مصيري، ييجي هنا دور الشخص المتخصص اللي دوره إنه يختار الاختيار ’’الصح‘‘..

مرَّات تحمُّل المسئوليَّة بيستلزم إني ما أديش المساحة لرأي الأغلبية.. مش إني ’’ما أطبَّقهوش‘‘، لكن إني ما أفكرش أصلًا إني أسأل الجماهير عن رأيها.. مسئوليتك كأب بتحتِّم إنك عارف مصلحة أولادك وهم صغيرين ومش هاينفع يكونوا بيختاروا بالأغلبية لو يروحوا المدرسة أو لأ.. مسئوليِّتك كمدرِّس بتستلزم إنك تعرف إيه اللي المفروض يتشرح.. ممكن تاخد رأي الأغلبية في ترتيب المواضيع اللي بتتناقشوا فيها..  جزء كبير قوي من المسئوليَّة بيتمثَّل في إني أعرف إيه اللي محتاج أكون بأقرَّره بنفسي وإيه القرارات اللي ممكن تسمح بإننا ناخد رأي الناس.
 
الديمقراطية مش قاصرة على فكرة ’’ناخد رأي الناس‘‘، لأن أوقات كتير ممكن أكون بأهرب من مسئوليتي كمتخصص في إني أقرر اللي فيه الصالح، وينتهي الأمر بمشكلة بسبب إننا أخدنا رأي الناس!    

 

Saturday, April 23, 2016

عليه القيمة

لما ناس من ثقافات مختلفة بيتعاملوا مع بعض ساعات بيتفاجئوا باختلاف القيم أو المبادئ، وساعات وقتها الواحد يبتدي يفكَّر في قيمه وهل الطرف التاني مؤمن بيها ولا لأ..

بنفتكر مثلا إن اللي بينادي بالاستقلالية هو ضد قيمة الأسرة أو مش بيحب فكرة الولاء، وممكن نفتكر إن اللي بيشجع العدل ضروري يبقى ضد الرحمة، وهكذا.. لكن مهم جدًا إننا نفتكر إن تقريبًا كل القيم مقبولة ومرغوب فيها من معظم اللي هتسألهم.. يعني ماحدش هايقولك ’’أنا بأكره العدل‘‘ أو ’’أنا سمِّي وموتي الرحمة‘‘.. لكن الفكرة هي إن ترتيب القيم عند كل واحد مننا مختلف.. مختلف باختلاف الثقافة أو باختلاف الشخصية.. لكن كمان ممكن ترتيب القيم يختلف باختلاف الموقف أو الدور اللي بيلعبه الشخص..

لما الأب والأم بيعلموا أولادهم عن التسامح، مش معنى كده إنهم بيعلموها يكرهوا الحق والعدل.. ولما بيساعدوا عيالهم في المذاكرة أكيد مش القصد إنهم يعلموهم إنهم ما يعتمدوش على نفسهم.. اللخبطة ممكن تحصل لما نطالب حد إنه يتبنى قيمة أو مبدأ ’’قبل‘‘ مبدأ تاني.. أو ’’أكتر‘‘ من مبدأ تاني..

يعني مثلا، لو القاضي تخلَّى عن دوره اللي بيحتِّم عليه إن ترتيب قيمة ’’العدل‘‘ يكون قبل قيمة ’’الرحمة‘‘ هاتكون فيه مشكلة.. ولو اللي بيراقب على الامتحانات إدَّى أولوية لقيمة ’’المساعدة‘‘ عن قيمة ’’العدالة في المساواة‘‘، يبقى برضه هاتكون فيه مشكلة في دوره..

هنا الأزمة هي إني أعرف الدور اللي بأقوم بيه، وبالتالي الدور ده بيحتِّم عليَّ ترتيب معين للقيم.. مش بالضرورة رفض قيمة بالكامل (لأن كل القيم محمودة بشكل أو بآخر)، لكن ترتيب القيم ده هايخليني أختار اختيارات معينة.. طبعًا الاختيارات دي ممكن تُقابَل بالنقد من ناس مختلفة عني في ترتيب نفس القيم..

لو أنا قاضي، ما ينفعش أقول لأهل القتيل ’’سامحوا القاتل‘‘ لأن دوري بيحتم عليَّ تنفيذ العدل.. ولو أنا في دور قيادي وعليَّ مسئولية ما أقدرش أقول للناس ’’استحملوا‘‘ أو ’’بُصوا على الحاجات الكويسة‘‘..

القيم كلها حلوة.. كلها على بعضها بتكمل بعضها.. وعشان كده محتاجين أدوار مختلفة ناس مختلفة تقوم بيها، وفي اختلاف الأدوار دي بيكون التركيز أكتر على قيم معينة بالمقارنة بغيرها.. وده اللي ممكن يخلِّي فيه توازن..

نفْس المدرس اللي بيجاوب على أسئلة الطلبة خلال السنة الدراسية هو هو المطلوب والمتوقع منه إنه ما يجاوبش على أسئلتهم وقت الامتحان.. الراجل ما اتغيرش ولا باع قيمه ولا حاجة.. ما بقاش قاسي وقلبه حجر يوم الامتحان.. لكن ترتيب القيم ممكن يتغير لظروف الدور اللي بيقوم بيه..


دور الدكتور أنه يقوم بواجبه للآخر وبمهنية وبشطارة.. لو غلط أو أهمل ما ينفعش يقول للمريض عن القيمة الجميلة للتسامح، وما ينفعش يطلب من المريض إنه يشكر ربنا إنه ما مامتش.. (المريض ممكن يقرر كده، هو براحته).. لكن متوقع من الدكتور هنا إن قيمة ’’المهنية‘‘ هي اللي تيجي قبل قيمة ’’بوس إيدك وش وضهر‘‘ حتى لو القيمتين حلوين وجُمال ومتفقين عليهم..

مش مطلوب من المعارضة التوازن.. ومش مطلوب من اتحاد الطلبة إنه يفكر في كل المنظومة، ومش مطلوب من النقابة إنها تفكر في باقي المهن.. هي دي الفكرة في وجود تخصصات.. في التخصصات ترتيب قيم مختلف.. وبالتالي تركيز على نقط ممكن تتغافل عنها باقي الكيانات.. وعشان كده الأب والأم رد فعلهم ممكن يكون مختلف لو ابنهم ضرب أخوه ولو المدرس ضرب ابنهم.. الفكرة مش في القيمة المطلقة بتاعة ’’نعمل إيه في حالات الضرب‘‘! مرات هاتكون القيمة ’’سامحه، ده ما كانش يقصد‘‘، ومرات هاتكون ’’ماحدش يمد إيده على ابني‘‘..

تدريب مهم إني أفكر نفسي كل شوية في كل موقف بالدور اللي بأقوم بيه.. الدور اللي غالبًا أنا مختاره أو محطوط فيه لإعلاء قيمة أكتر من قيمة.. في الترتيب ده بييجي التوازن.. مش توازن إني هأخدم كل القيم، لكن تناغم دوري مع القيم اللي بيحتمها عليَّ..