Thursday, January 5, 2017

مشروع التخرج

لما بنسمع عن حدث عنف أو إرهاب بعضنا بيفكَّر في إيه المفروض يتعمل مع المُجرم، وبنتكلم كتير عن قوانين حاسمة تتنفِّذ ويتعاقب فيها كل واحد بتثبت إدانته، لكن مرَّات بننسى إن الجريمة دي عاملة زي مشروع التخرُّج: هي تقريبًا آخر خطوة في مشوار المُجرم، قمة عنفه، وأعلى نقطة بالنسباله.. الجريمة اللي فيها واحد بيقتل أو بيعذِّب أو بيرمي ميَّة نار على حد هي مش سنة أولى عنف.. سنة أولى وتانية وتالتة إرهاب بيكونوا عدُّوا من زمان، وبيكون المُجرم ’نجح‘ فيهم بتفوُّق.. مش فاضلُّه غير مشروع التخرُّج..

عشان كده يمكن مش أذكى حاجة إنِّي عشان أمنع الجريمة إنِّي أكون ماشي ورا ’مشاريع التخرج‘ وبأفكر في طرق لمعاقبتهم أو لمنعهم، وأكون في نفس الوقت سايب طُلَّاب أولى وتانية  وتالتة عنف وإرهاب شغَّالين وكل واحد منهم ’ناجح ومنقول‘ للمرحلة اللي بعدها.. دراسات كتير تتبَّعِت حياة قتلة متسلسلين ولقت إن أغلبهم بيكونوا عذِّبوا أو قتلوا حيوانات قبل ما يقتلوا بشر بشكل متسلسل..

حلولنا لحاجات كتيرة حوالينا مش بتراعي النقطة دي.. بنفتكر إن الحل الأسلم هو ’إقالة المحافظ‘ أو ’إن المدير يمشي‘ أو ’إن فلان يتسجن‘، ناسيين إن ’دفعات جديدة‘ مكمِّلة تقريبًا على نفس النهج، لكن يمكن لسة مشاريع تخرُّجهم جايَّة قدَّام شويَّة..

طالب الطب اللي ماشي بالزق وبيسقط في معظم المواد في سنة أولى وسنة تانية وسنة تالتة، ما ينفعش أستنَّى لحد سنة التخرُّج عشان أحس بالقلق وأدوَّر على طريقة أتصرَّف بيها عشان أحمي المرضى منه باعتباره طبيب مش كفء.. وزي ما أي والدين يهمهم تربية عيالهم صح مش بيستنوا لحد ما الطفل يكون عمره 7 سنين عشان يبدأوا يربُّوه، ما ينفعش في المجتمع تكون مواجهة العُنف بتحصل بس لما يحصل العُنف..


مشروع التخرُّج مش هو المرحلة اللي فيها هأقدر أوقَّف الإجرام.. فيه احتياج حقيقي إننا نرجع لورا شويَّة، ونبص على سنة أولى وتانية.. وإلا هانكون بنحصد إجرام مع كل مشروع تخرج كمان سنة أو اتنين أو تلاتة! مُجرم سنة 2020 و2021 وما بعدها جايز يكون بيتجهِّز من دلوقت، بيتجهِّز من تراكم أفكار مغلوطة، من عنف بيشوفه أو بيسمعه أو بيعمله وماحدش بيتحاسب عليه..

يمكن جه الوقت اللي فيه نبص كويِّس في دوايرنا على بوادر عُنف، على لمحات جايز تكون بسيطة دلوقت لكن تكون بتشجَّع على مرارة وسخط وعُنف وإجرام كمان كام سنة، جايز نقدر نلحق بتوع أولى وتانية، بدل ما نستنى مشاريع التخرُّج ويكون الوقت عدَّى!  

 

Friday, November 4, 2016

كله ضرب ضرب.. مافيش شتيمة؟

من المفهوم إن لكل مقام مقال، وإن اللي ممكن الواحد يعمله أو يقوله أو ياكله أو يلبسه في مكان معين أو مناسبة معينة ممكن ما يكونش مناسب في سياق تاني، فمفهوم مثلًا إن مجموعة التعبيرات اللي الواحد ممكن يعملها بوشه بتختلف لو الواحد في اجتماع في الشغل أو بيلعب مع ابنه أو في مراية الأسانسير..

فيه حاجة بيسمُّوها الـ ’Online Disinhibition Effect‘ وفيها مُستخدم الإنترنت بيحس بإن عنده ما يُشبه الرُخصة إنه يكون على درجة ذوق أقل من العادي بتاعه، وده بسبب إمكانية استخدام أسماء مُستعارة أو شخصيات وهمية افتراضية.. وحتى لو الشخص بيستخدم اسمه وشخصيته الحقيقيَّة، فالفكرة العامة بتاعة إنك تقدر ’تغلِّس‘ على حد أو تتِّفق مع أصحابك و’تستلموه‘ و’تحفِّلوا‘ عليه هي كلها أفكار بيسمح بيها السياق بتاع بعض مواقع التواصل، لأن صاحبكم ده مش هايقدر عمليًّا ’يقوم ويسيبكم‘ من على القهوة، ولا ’يضربكم‘ ولا ’يرمي كوباية من إيده يكسرها‘ ولا ’يرزع الباب‘ لأن الموضوع كله ’أونلاين‘ فما فيش نتايج ’ملموسة‘ ممكن تعمل مشاكل..

لحد كده ومفهوم.. الأزمة بتكون لما بعض التوجُّهات اللي ممكن يكون بيسمح بيها سياق معيَّن تكون بتتنقل لباقي السياقات، لأن اللي بيحصل مرَّات هو إن سياق معيَّن يوهمنا بإن التصرُّفات المقبولة فيه هي تصرُّفات بقت مقبولة في باقي الأماكن وباقي الدواير الاجتماعيَّة، وشوية شوية جايز نكون قادرين نلاحظ مثلًا إننا عندنا شِبه قبول أكتر شويَّة للي ممكن نسمِّيه ’ذوق قليل‘ أو ’قلَّة كياسة‘ وجايز نلوم بعض السياقات على الإنترنت في إنها سهِّلت من الفكرة دي..

الذوق والكياسة والدماثة وما إلى ذلك مش مرتبطة بالبُعد عن الشتايم والإهانات والضرب.. ولا هي إنك بدل ما تشتم تكون بتحط نجوم أو علامات &!*)()# (بيسمُّوها grawlixes)، ولا إنك تكون بتكتب أو تقول تلميحات تُفهم بأكتر من معنى ويكون معنى منهم مُهين.. كل الحاجات دي سهل تمييزها وسهل تفاديها والبُعد عنها.. لكن الصعوبة هي إن الذوق هو توجُّه بيحترم الآخر بجد، مش بس بيقول إنه بيحترم رأيه وبيسمعه.. ومش بس مش بيشتمه..

عجبتني جملة اتقدِّمت نصيحة للي داخلين السلك الأكاديمي، والجملة بتقول ’إحنا هنا كلنا شاطرين.. خليك متميز بإنك تكون لطيف‘.. وفي سياق الآراء السياسيَّة والنفسيَّة وحتى الآراء في الكورة، أغلبنا بيُشعر إنه أذكى (ولو حتى شويَّة صغيَّرين) من اللي حواليه.. وإنه مش ’مُنساق‘ ورا أي رأي وإنه مش ’بيهري‘ أو ’بيفتي‘ وإن مالوش أي مصلحة من رأيه غير إنه ’ينوَّر عيون‘ المساكين اللي مش شايفين.. وأغلبنا ممكن يكون شايف إنه ’طالما ما شتمتش ولا استخدمت ألفاظ خارجة أبقى في السليم‘ (حتى ولو الموضوع تعلَّق بتسفيه آراء أو تقزيم ناس تانية)..

مقياس ممكن يساعدني إني أعرف لو اللي بأقدمه للي قدامي ذوق ولا إهانة هو إني أحاول تخيُّل إحساسه بعد مناقشتنا.. مش إني أفصَّص الكلام اللي أنا قلته، ولا إني أقدِّم مراجع تدعم رأيي، ولا إني أشرحله إن ’غبي‘ مش شتيمة لكنها وصف، ولا أي حاجة من دي..

اللُطف والدماثة والكياسة والذوق مش في ألفاظ معيَّنة.. مش بإني أبدأ كلامي بالجملة الكريهة ’’مع احترامي ليك‘‘.. لكن في توجُّه عام من احترام وحب خصوصًا مع المُختلف..توجُّه عام من تقديري لذكاء اللي بأتكلم معاه، مش ’إني مستحمل الغباء بتاعه‘.. ولا ’اللهم طوِّلك يا روح!‘.. تحدِّي رهيب!

Sunday, October 9, 2016

هأبدأ تاني النهاردة

القصَّة ورا مثل ’’رجعت ريمة لعادتها القديمة‘‘ هي إن ’’ريمة‘‘ (أو في أصل المثل ’’حليمة‘‘) كانت بخيلة وكانت بتطبخ بسمن قليل قوي قوي بسبب بخلها، فجوزها قالها إن الناس زمان كانوا بيقولوا إن كل معلقة سمن بتحطها في الأكل بتزود من عمرها يوم، فمن ساعتها بقت تحط سمن كتير في الأكل، وبقى طعم أكلها أحسن.. بعد وقت، القصَّة بتقول إن ابنها مات، فقررت إنها مش قادرة تعيش من غيره، ورجعت تحط سمن قليل قوي قوي عشان عمرها يقل..

بغض النظر عن أصل المثل، إلَّا إننا عادةً بنستخدمه لما حد بيرجع لعادة قديمة أو لطريقة قديمة (وعادة بتكون سلبيَّة)، فبنقول المثل ده من مُنطلق التحسُّر على إن الشخص ما كمِّلش في العادة الأحسن..

مننا كتير بيقرروا يمشوا على ريجيم معين، أو يبطلوا سجاير، أو يبدأوا يمارسوا رياضة بانتظام، أو يعملوا جدول للمذاكرة يمشوا عليه.. وأغلبنا بيمر بإحساس بيلاقي فيه إنه ’’مش نافع‘‘.. ’’أنا ما فيش فيَّ أمل‘‘.. ’’عمري ما قرَّرت أعمل حاجة كويسة بانتظام، أو أبطَّل حاجة وحشة، إلَّا ورجعت بعد كام يوم‘‘..

اللي بيبطَّل سجاير شهرين ويرجَّع يدخَّن، عنده اختيارين: اختيار إنّه يحس بقد إيه هو ما لوش لازمة، وإن إرادته ضعيفة، ومش قوي العزيمة، واختيار تاني إنه يشوف إنه كسب شهرين في حياته كانت صحته فيهم أفضل.. شهرين ممكن يحاول يحقَّقهم تاني أو حتَّى يخليهم تلات أو أربع شهور المرَّة الجايّة لما يبطَّل تدخين..

ما فيش مسابقة تخلِّيني إنسان أحسن لو بقالي 5 شهور وتلات أيام ماكلتش أكل في الشارع.. الفكرة في التحدِّيات دي إنها المفروض تشجعنا، المفروض تساعدنا نقدر ’’نحسب‘‘ بشكل نفهمه إحنا بقالنا فترة قد إيه بنتبع نظام صحي أفضل، لكن مش المفروض للتحديات دي إنها تكون سيف على رقبتنا، مش مفروض إنها تسمم عيشتنا لما يحصل ونرجع للتدخين، أو نرجع للأكل اللي مش صحي، أو نبطل نلعب رياضة، أو نفوت أيام من غير مذاكرة، أو مثلًا مانكتبش بوست جديد على البلوج كل يوم سبت (ده مثلًا يعني) :).. الأيّام اللي فيها بنلتزم بالعادات الجديدة هي أيام مكسب.. أجسامنا بتستفيد من أيام الرياضة، وعقولنا بتتعلم من أيام المذاكرة.. والموضوع مش متعلق بفكرة قوة إرادتي وشخصيتي، خصوصًا لو رجوعي لعادة سلبية أو عدم استمراري في عادة إيجابيَّة بينكِّد عليَّ مش بيزقني لقدام..

اللي مننا كان مقرَّر إنه يقرا يوميًّا عشرين صفحة، واستمر في الموضوع ده لمدة أسبوعين وبعد كده ’’وقع‘‘، يقدر يحس بإنه مبسوط إنه قرا لمدة أسبوعين، واستفاد محتوى كويس.. ويقدر إنه يتحدى نفسه تاني إنه يخلِّي الأسبوعين دول تلاتة المرَّة الجايَّة..

في مشوار النُضج والتعافي والصحة الأفضل، مهم إني أكون في السكة الصح، في الطريق اللي ماشي لقدام.. هايحصل إن أيام هأكون بأقف، أو أرجع كام خطوة، لكن لو اخترت إني أفشل يبقى بأخسر حلاوة المشوار اللي قطعته وبأخسر فرصة باقي المشوار اللي ممكن يخليني أفضل.. الحل الأسلم لما ’’أبوَّظ جدول الأكل‘‘ أو ’’أرجع للتدخين‘‘ أو ’’أبطل قراية‘‘ أو ’’أسيب الجيم لوقت طويل‘‘ هو إني أقوم وأنفض هدومي، وأفرح بالإنجاز اللي قبل كده، وممكن أتحدَّى نفسي إني أبدأ مرَّة كمان، وأحقق الإنجاز ده وحتَّة زيادة عليه..

مافيش مشكلة إن ريمة ترجع لعادتها القديمة مرَّة واتنين.. كُل مرَّة عملت فيها أكل بسمن كفاية كانت بتسعد أهل بيتها وضيوفها.. وطول الوقت عندها فرصة إنها ترجع عن العادة القديمة للعادة الجديدة..


فيه جملة سحريَّة بتشجَّعني أكمِّل أي مشوار ممكن أكون اتعطَّلت فيه، حتَّى لو كنت حاولت أطوَّر عادة جديدة أو أتخلَّص من عادة قديمة وما عرفتش.. والجملة دي ببساطة هي: هأبدأ تاني النهاردة..

Friday, September 30, 2016

اقرا الفرحة

واحد كان ماسك جرايد بيوزعها في الشارع وسألني:
’’تحب تحصل على أول عدد من جريدة مجانية عن أخبار المدينة الصغيرة هنا؟‘‘
ماشي شكرًا
’’الجريدة ببلاش، واللي يفرق بين الجريدة ده والجرايد التانية هي إن كل الأخبار اللي فيها أخبار إيجابية ومفرحة‘‘

أنا اتلخبطت.. ليه ما فكَّرتش قبل كده إن ما فيش جرايد أعرفها إلَّا وأكيد فيها أخبار وحشة مع شوية أخبار كويسة؟ ده غير الجرايد المتخصصة في أخبار الجرايم والحوادث؟ شكلها إيه الجرايد دي اللي ما فيهاش غير أخبار حلوة؟ يعني ما فيش ’’يقتل شقيقه بعد مشاجرة بسبب طبق فول‘‘؟ ولا ’’عاطل ينتحل صفة جرَّاح ويُجري عمليَّات لأكثر من عشرين سنة‘‘؟ طب ولا ’’القبض على عصابة تخصَّصت في تزوير العملات فئة العشرين جنيه‘‘؟؟

حسيت قد إيه الفكرة عظيمة.. بس برضه سألت نفسي، طب هايجيبوا أخبار حلوة منين؟! ها يملوا جورنال كامل أخبار حلوة؟!
اتبسطت من فكرة إن فيه جورنال ممكن تجيبه وتقراه وماتكونش بتقول ’’يا رب استر‘‘..

فهمت إن الأخبار الحلوة وفي نفس الوقت ببلاش لسَّة موجودة.. الخبر اللي يفرح ويطمِّن القلب ويكون ببلاش هو اللي ممكن يصبَّر ويشجَّع ويعزِّي وسط الأخبار الصعبة والمؤلمة اللي مالية العالم بتاعنا..

الراجل المتطوِّع ده اللي كان بيوزع الجريدة دي راجل هايل.. يا بخته.. يا بخت كل واحد شايل على كتافه أخبار حلوة تدِّي نور وبُشرى لعالم حزين.. وبدل ما ماشي ينادي يقول اقرا الحادثة، ماشي يوزع أخبار حلوة ببلاش!