Saturday, March 18, 2017

حظنا الهباب


مع الاعتذار لعدم لُطف التعبير، لكن من الملاحظ إن تعبير ’جاتنا نيلة في حظِّنا الهباب‘ مش بيُستخدم لما بنفتكر حاجة وحشة في حياتنا أو بنشوف قُبح أو مشاكل أو فقر أو جهل، لكن بنقوله غالبًا لما بنشوف جَمال أو تقدُّم أو نجاح في مكان تاني! فبنلاقي مثلًا كتير من أصحابنا بيشاركوا بصور على فيسبوك أو تويتر لأماكن رائعة أو اختراعات بتسهل حياة البشر أو حتَّى ناس شكلهم حِلو، وبيكون مع المشاركات دي التعبير الغريب ’جاتنا نيلة في حظنا الهباب‘!

وزي ما يكون بقى عندنا مُستقبِلات للجَمال والحلاوة، والمُستقبِلات دي شغالة وكل حاجة، لكن شغَّالة بالعكس: فلما أشوف حاجة حلوة، أفتكر الوِحِش اللي أنا فيه، ولما أتفرَّج على صور قديمة جميلة، أقريِف بسبب حالتي الحالية، ولما أسمع عن دُوَل تانية متقدمة أو أصحاب ناجحين أو حتَّى لما أشوف لوحات جميلة أو حيوانات لطيفة، يروح تركيزي على القُبح اللي أنا فيه أو عجزي عن النجاح في مجال معين، أو غياب الجمال في المكان اللي أنا فيه..

بعضنا حتَّى بيضيع جزء من أجازته في إنه يتحسَّر على إنه لازم يرجع العاصمة ويرجع للمباني العالية والتراب وغياب الخضرة الموجودة في مكان الأجازة..

الحلاوة الموجودة في كل حتَّة بتغيب قيمتها، وبتبهت لو كانت متوفِّرة على طول.. والخوف هو إنِّي أبطَّل أشوف الجَمال (حتَّى لو مؤقَّت)، لأنِّي كل مرة بأشوف جَمال بأتنكِّد وأتحسَّر وأفتكر القُبح.. الجَمال اللي بأشوفه وبيفكَّرني ’بحظِّي الهباب‘ هايجيله وقت ويبطَّل حتَّى يتشاف على إنّه جمال.. وممكن أوصل لمرحلة إن كل مرَّة آكل أكلة حلوة أنسى أستمتع بيها لأنِّي بأفتكر باقي الأكل ’الأي كلام‘ اللي باكله باقي الوقت..

لمحات الجمال القليلة اللي بنشوفها على مسافات متباعدة هي اللي ممكن تنعش أرواحنا وتنشَّط فينا الثقة في إن الجمال موجود لو شفناه، ولو حسِّينا بقيمته بدل ما نقارنه بباقي القُبح اللي عندنا..

لما بأشوف أصحابي لوقت قصير بعد سفر لوقت طويل، عندي اختيار إنِّي أفضل طول القعدة ’زعلان‘ إننا مش بنتقابل كتير، أو اختيار إني أتبسط بكل دقيقة قاعدين فيها مع بعض، و’أشحن‘ فيها شوية استمتاع أقدر أفتكره حتَّى بعد ما أمشي..

استقبالي للجمال الموجود في صور أو مواقف أو ناس أو بلاد تانية ممكن يبدأ يبهت لو في كل مرة بأشوف حاجة جميلة بأفتكر ’حظنا الهباب‘!

Sunday, March 12, 2017

استفدت أنا إيه دلوقت؟

يافطة كبيرة مكتوب عليها ’لو عندك القدرة إنك تحلم بحاجة، يبقى لازم تحقَّقها‘، وعلى الرغم من إن اليافطة دي غالبًا الغرض منها نبيل بحيث إن كل واحد عنده حلم يكون بيسعى باجتهاد إنه يحقَّقه، إلا إن مشكلتها كبيرة..

مشكلتها إنها بتحصر قيمة الحلم في مرحلة تحقيقه.. على أساس إن ’إيه فايدة الحلم لو مش هايتحقَّق‘، والتخوُّف اللي ورا الفكرة دي هو إن ممكن ناس كتير تسيب أحلامها أو تبطَّل تستثمر في أحلام معيَّنة أو تبطَّل يكون عندها أحلام خالص لو الأحلام دي مش ممكن تتحقَّق لأي سبب..

أغلبنا لو عنده حلم شاغله ليل ونهار بيكون بيفكَّر في طرق لتنفيذ الحلم.. وظيفة معيَّنة، أو فكرة مشروع، أو أغنية جديدة أو حاجة يشتريها أو مكان يروحه.. ومع ذلك، أغلبنا برضه عارف إن بعد تحقيق الحلم، بيبدأ يبهت، وبيبدأ يبقى ’أمر واقع‘، ’حاجة عادية‘ حتى لو باين للناس التانيين إنه حاجة رهيبة.. ماما كانت كتير بتشير للجملة اللي بتقول ’للأحلام بريق، ينطفئ عند تحقيقها!‘

دي مش دعوة لعدم تحقيق الأحلام! لكنها دعوة لإعادة النظر في قيمة الحلم.. أي حلم.. كل حلم بأحلم بيه بيشكِّل جزء فيَّ، وكل مرَّة بأنسج في خيالي مشاهد من جمل زي ’يا سلام لو.. ‘ أنا بأستخدم قدرة عقليَّة مميَّزة، والقدرة دي في حد ذاتها ليها قيمة.. لو قرَّرت إني أستغنى عنها (لسبب استحالة تحقيق الحلم مثلًا)، أكون كأنِّي بأستغنى عن الرسومات والمزيكا والأعمال الفنِّيَّة والأحلام الحرفيَّة (وقت النوم) وكل حاجة يبان إنه ما فيش ليها ’فايدة‘..

مش حلو إننا نخاف من الأحلام.. ومش حلو إنِّنا لما نسخر من فكرة، تكون سخريتنا في صياغة ’إنت بتحلم يا عم!‘ كما لو إنه غلط! الحلم حاجة، وتحقيقه حاجة، والاتنين حلوين.. والخوف إني أمنع الأحلام اللي مش باينلها إنها هاتتحقَّق..

كل حلم هايتحقق أو مش هايتحقق هو في حد ذاته نعمة.. جمال.. قُدرة أتمنى تفضل موجودة عندي.. أفضل أقدَر أحلم، وأفضل أقدَّر الأحلام، كل الأحلام.. حتى اللي مش ناوية تتحقَّق!


Friday, March 3, 2017

اختيارات الحياة

في حياتنا اختيارات طول الوقت.. وكل واحد فينا غالبًا عنده معايير بيختار من خلالها، خصوصًا لما بعض الاختيارات تكون متشابهة أو كلها صح.. وعلى قد ما تصرفاتنا وكلامنا بيعبروا عننا، على قد ما اختياراتنا كمان بتعبر عن جزء كبير من شخصيتنا..

الوقت اللي فات قرَّرت إن الاختيارات اللي أكون بأختارها في الحياة تكون ’اختيارات حياة‘ بمعنى إنها تكون اختيارات فيها حياة.. اختيارات بتعلِّي من قيمة الحياة.. بتدِّي حياة.. بتشجَّع على الحياة.. بقدر الإمكان..

بنحتار كتير.. وحقيقي لو عايز تحيَّر إنسان، خيَّره.. لكن يمكن الحيرة تزول لو قاعدة الاختيار بقت مبنيَّة على كمِّيِّة الحياة ومستواها في كل اختيار.. هل التعليق اللي هأقوله أو الشغل اللي هأعمله أو القرار اللي هآخده هايكون مُحيِي؟ هايكون بيشجع ويقوِّي ويبني ’ويدِّي حياة‘؟ 

لما بأحتار بين العدل والرحمة، وبين الحق والتضحية، وبين القانون والنعمة، احتياري مش بالضرورة محسوم.. لكن يمكن يساعد على حسمه فكرة كمية الحياة الموجودة في كل اختيار.. مرَّات هأختار الرحمة والفرصة التانية، عشان الغلطان يكون ليه فرصة تانية في حياة أحسن، ومرَّات هأختار العدل عشان أحمي حياة ناس تانية..

حتى القوانين اللي بتعاقب بالحبس هي قوانين المفروض إنها بتحمي حياة باقي الناس في المجتمع.. عقاب المُذنب مش اختيار الهدف منه إن المُذنِب ينال جزاء اللي عمله وبس، لكنه كمان لضمان حياة أفضل لباقي أفراد المجتمع..

هأجرب استخدام المقياس ده في اختياراتي.. الاختيار اللي مليان حياة يكسب.. وهأشوف هايحصل إيه.. جايز اختياراتي في الحياة تكون مليانة حياة..



Thursday, January 5, 2017

مشروع التخرج

لما بنسمع عن حدث عنف أو إرهاب بعضنا بيفكَّر في إيه المفروض يتعمل مع المُجرم، وبنتكلم كتير عن قوانين حاسمة تتنفِّذ ويتعاقب فيها كل واحد بتثبت إدانته، لكن مرَّات بننسى إن الجريمة دي عاملة زي مشروع التخرُّج: هي تقريبًا آخر خطوة في مشوار المُجرم، قمة عنفه، وأعلى نقطة بالنسباله.. الجريمة اللي فيها واحد بيقتل أو بيعذِّب أو بيرمي ميَّة نار على حد هي مش سنة أولى عنف.. سنة أولى وتانية وتالتة إرهاب بيكونوا عدُّوا من زمان، وبيكون المُجرم ’نجح‘ فيهم بتفوُّق.. مش فاضلُّه غير مشروع التخرُّج..

عشان كده يمكن مش أذكى حاجة إنِّي عشان أمنع الجريمة إنِّي أكون ماشي ورا ’مشاريع التخرج‘ وبأفكر في طرق لمعاقبتهم أو لمنعهم، وأكون في نفس الوقت سايب طُلَّاب أولى وتانية  وتالتة عنف وإرهاب شغَّالين وكل واحد منهم ’ناجح ومنقول‘ للمرحلة اللي بعدها.. دراسات كتير تتبَّعِت حياة قتلة متسلسلين ولقت إن أغلبهم بيكونوا عذِّبوا أو قتلوا حيوانات قبل ما يقتلوا بشر بشكل متسلسل..

حلولنا لحاجات كتيرة حوالينا مش بتراعي النقطة دي.. بنفتكر إن الحل الأسلم هو ’إقالة المحافظ‘ أو ’إن المدير يمشي‘ أو ’إن فلان يتسجن‘، ناسيين إن ’دفعات جديدة‘ مكمِّلة تقريبًا على نفس النهج، لكن يمكن لسة مشاريع تخرُّجهم جايَّة قدَّام شويَّة..

طالب الطب اللي ماشي بالزق وبيسقط في معظم المواد في سنة أولى وسنة تانية وسنة تالتة، ما ينفعش أستنَّى لحد سنة التخرُّج عشان أحس بالقلق وأدوَّر على طريقة أتصرَّف بيها عشان أحمي المرضى منه باعتباره طبيب مش كفء.. وزي ما أي والدين يهمهم تربية عيالهم صح مش بيستنوا لحد ما الطفل يكون عمره 7 سنين عشان يبدأوا يربُّوه، ما ينفعش في المجتمع تكون مواجهة العُنف بتحصل بس لما يحصل العُنف..


مشروع التخرُّج مش هو المرحلة اللي فيها هأقدر أوقَّف الإجرام.. فيه احتياج حقيقي إننا نرجع لورا شويَّة، ونبص على سنة أولى وتانية.. وإلا هانكون بنحصد إجرام مع كل مشروع تخرج كمان سنة أو اتنين أو تلاتة! مُجرم سنة 2020 و2021 وما بعدها جايز يكون بيتجهِّز من دلوقت، بيتجهِّز من تراكم أفكار مغلوطة، من عنف بيشوفه أو بيسمعه أو بيعمله وماحدش بيتحاسب عليه..

يمكن جه الوقت اللي فيه نبص كويِّس في دوايرنا على بوادر عُنف، على لمحات جايز تكون بسيطة دلوقت لكن تكون بتشجَّع على مرارة وسخط وعُنف وإجرام كمان كام سنة، جايز نقدر نلحق بتوع أولى وتانية، بدل ما نستنى مشاريع التخرُّج ويكون الوقت عدَّى!