Sunday, July 14, 2019

الأمين في القليل

كل سنة مع نتايج الثانوية العامة بنشوف تعليقات كتير عن الدرجات ومين الأوائل وعملوا إيه بعد كده، وبنشوف كمان كلام كتير عن قيمة المجموع ومدى منطقيَّة الفخر بمجموع عالي أو الزعل على مجموع قليل.

اللي ساعات بيتنسي في المناقشات دي هو الرسالة اللي بنقدمها للقارئ، يعني مهما كان اللي بأقوله ’صح‘ لكن مش بالضرورة يكون اللي بيوصل للقارئ برضه صح. يعني مثلًا لو قلنا إن الممثِّل الفلاني سقط في ثانوية عامَّة لكن بقى مشهور وبيكسب كتير، أو إن فُلان صاحب الشركة العالمية ما درسش دراسات عُليا، هل بيكون واضح للقارئ المفروض يفهم إيه؟ الأزمة إن القارئ ممكن يفهم حتَّى لو ضمنيًا إن السقوط في الثانوية العامة هايخليك ممثل كويس، أو لو تفاديت الدراسات العليا ممكن تكون رجل أعمال ناجح. طبعًا مش ده أكيد المقصود، لكن الرسايل اللي بتوصل من ’تشجيع‘ الناس اللي مجموعها قليل (ولا يهمك، المجموع مش بيدل غير على الحفظ)، أو الرسايل اللي بتوصل للي مجموعهم كبير (ماتفرحش قوي، قال يعني نجحت في منظومة تعليمية معترف بيها عالميًا) هي رسايل مش أمينة، رسايل ’صح‘ لكنها صح في سياق مفصول عن باقي الحياة، نفس فكرة العربية سليمة ’بس كل حتة فيها لوحدها‘.

على الرغم من حُسن نيَّة اللي بيكتبوا يشجعوا اللي مجموعهم قليل، واللي غالبًا كلامهم بيكون كويس ومعقول في التوقيت ده بالذات، إلا إننا نقدر نشوف تأثير الكلام ده على الطلبة قبل الامتحانات والنتايج. بنشوف طلبة بتتكلم بنفس الطريقة وبنفس التوجُّه بتاع إن ’المجموع مش كل حاجة‘، و’اللي جابوا 99% مش شرط ينجحوا في الحياة‘، وعلى الرغم من صحة الكلام ده، لكن بنشوف تأثيره في التعامل مع الحياة بشكل عام، وبنشوفه في قلة الأمانة في التعامل مع الإمكانيات مهما كانت.

أعتقد إن الرسالة اللي ممكن تكون ’صح‘ في كل السياقات، وتكون مُشجِّعة للي مجموعه قليل أو كتير هي إن ’الأمانة مهمَّة‘، الأمانة في اللي بين إيديًّا. يعني لو أنا طالب وإمكانياتي قليلة أو كتيرة واجتهدت وجبت مجموع قليل أو كتير، أنا محتاج أفتكر إن اجتهادي نفسه بيساعدني في الحياة بعد كده، سواء بقيت ممثِّل مشهور أو صاحب شركة أو مدير أو مدرِّس أو مهندس.

عمومًا بلاش نحبط اللي مجموعهم عالي، لأنّهم يستحقوا التشجيع على المجهود والأمانة اللي قدموها حتى لو في منظومة تعليمية مبنية على الحفظ، وبلاش نحبط اللي مجموعهم قليل اللي بذلوا مجهود في حدود الإمكانيات المتاحة ليهم. لكن كمان يا ريت مانكونش بنشجع عدم الأمانة في استخدام الوقت بحجة إن النظام التعليمي ضعيف، لأن ده ممكن يترتب عليه شباب منتظرة للفرصة الذهبية ومش ناويين يبذلوا مجهود أو يكملوا في بذل المجهود بالأمانة والنزاهة بحسب الإمكانيات اللي بين إيديهم.


الأمين في القليل (في الوقت أو في الإمكانيات أو في استخدام الفُرص) بيكتسب مهارات بتقوّيه وبتخلّيه شخص يُعتمد عليها في سياقات تانية. وبكده لو عايزين مناقشات الثانوية العامة تكون مفيدة أكتر، متهيَّالي الأنسب مش إننا نقسم الطلاب لمجموع قليل ومجموع كبير، لكن لطلاب بذلوا مجهود في حدود المتاح ليهم من قدرات عقلية وإمكانيات مادية ووقت، وطلاب كان توجُّههم هو ’سيبك من الكلام ده‘ أو على رأي سُلطان ’شهادات إيه! أنا عايز أشتغل ترزي‘.