Thursday, April 18, 2013

اللي يموّت الموت

معظمنا جاله وقت وإتمنى أمنية "آه لو نعرف نموّت الموت".. "آه لو نقدر ما نعبّرش الموت ولا يكون فارق معانا".. رغبتنا في إننا نغلب الموت رغبة قريبة قوي من الغريزة لكنها كمان بتبان منطقية وجذابة لو فكرنا فيها..

لما بتيجي أخبار عن موت حد نعرفه أو شاب صغير أو ناس بريئة أو أطفال بتيجي مع كل خبر أحاسيس مُرعبة من الحيرة واللخبطة.. مشاعر إن الموت مالوش "مسكة".. ما حدش إذا جاز التعبير عارف "يلمّه".. ماحدش قادر يفهمه أو يتوقعه أو يستعد له للآخر..

ومع كل الصدمة والألم والبُكا بتيجي مرحلة من شوية حسابات غالبا معظمنا بيعملها تلقائيا بعد ما يهدى شوية.. أسئلة وعلامات استفهام زي "هو أنا ممكن أموت قريب؟" "في السن ده؟" "أهلي وأصحابي وحبايبي هايعملوا إيه؟".. وبرضه بتيجي كسرة القلب مع كل تعليق بنسمعه اتقال على لسان اللي ماتوا.. إزاي كانوا متضايقين في آخر وقت.. أو إزاي كان ممكن يتفادوا الحادثة.. أو قد إيه أحلامهم كانت أحلام بسيطة.. أو قد إيه كانوا بُسطا وطيبين ومحبوبين..

والظاهر كده إن الحكاية دي حركت ولسة بتحرك أنشطة كتير في الحياة زي مثلا الاختراعات والأبحاث اللي بتحاول تطوّل العمر أو تمنع التعب أو تعالج أمراض.. أو الأنشطة اللي بتساعد الناس تكسب فلوس أكتر عشان تعيش عيشة أريح وتأجل "الضيف السخيف" اللي كلنا عارفين إنه هاييجي..

أكترنا قبول لفكرة الموت بيشوف فيها انتقال لحالة أفضل فيها حياة لكن من نوع شكله مختلف عن الحياة على الأرض.. لكن من أكتر الناس قبول للفكرة فيه ناس مش عايزة الموت عشان الألم والوجع اللي بيسببه مش لينا لكن للناس اللي بنحبهم وبنسيبهم ورانا..

ولأن الموت في مفهومنا البسيط هو أقصى درجات غياب الحياة, فالمطلوب لهزيمته حاجة تكون "أقصى" برضه.. ما ينفعش نُص نُص.. واعتقادي الشخصي هو إن الوحيد اللي يغلب الموت هو "الحب"..

الحب هو اللي بيخلي الأم والأب على استعداد كامل إنهم يموتوا حرفيا عشان ابنهم ما يتأذيش.. ذكرى اللي بيموت بتفضل مستمرة مش على قد ما أنجز من اختراعات وفايدة للبشرية.. ومش على قد تأثيره وقوته السياسية ولا عدد الأحلام اللي عرف يحققها.. ناس كتيرة "ماتت" وهي لسة بتتنفّس وبتاكل وتشرب وتمشي لأن ما حدش حبها.. ذكرى اللي بيموت بتفضل مستمرة عند الناس اللي بتحبه.. وعند الناس اللي حبهم..

الحاجة الوحيدة اللي تخلي إنسان يفضل عايش حتى لو مات هي إنه يكون حَب واتحَب للآخر.. ساعتها بس وجود الجسد الضعيف ده أو غيابه مش هو العلامة الوحيدة اللي بتدل على الحياة..

كل واحد عرف يحب وعرف يستقبل الحب غالبا أخد شوية خطوات عشان يموّت الضيف السخيف اللي ممكن يفرّق أجسام الناس عن بعض لكن ما يقدرش يمسح مشاعر حب اتكونت بين المحبين..

كل حد حبني وحبيته محبة حقيقية هايفضل عايش على طول.. والحب هو اللي هايخليه عايش في تفكيري.. عايش في ذكريات حلوة بأفتكرها.. عايش في ألبوم الصور وفي أماكن روحناها وحكايات قلناها.. عايش في أحلام حلمها وناس أثر فيها وبصمات سابها..

اللي غلب الموت ما غلبهوش بالشطارة ولا التكنولوجيا والعلم.. اللي موّت الموت موّته بالحب..

Saturday, April 13, 2013

يا واد يا مُلحد



على غرار الأفلام اللي فيها بيقبضوا على مُجرم ويحاول الظابط يقَرّرُه (يخليه يِقِرّ يعني).. وتلاقي الجمل الحوارية الفضائية بتاعة "انطق..ياللا.. انهار واعترف"! لكن مهما اختلف السيناريست أو المخرج أو مين اللي بيقوم بدور المجرم أو الظابط أو قفص الاتهام دايما فيه جملة موجودة في معظم المشاهد دي.. تحس إن ترخيص الرقابة مش هايطلع غير لما يلاقوا الجملة دي في الحوار.. "الإنكار مش هايفيدك"!.. دي الجملة السحرية اللي بتخلّي الرقابة تحس إن الفيلم ده على مستوى كويس وهي نفس الجملة اللي بتخلّي المجرم يعترف.. طبعا لأن المجرم بيبقى فاكر إن الإنكار هايفيده.. لكن أول ما يقولوله إن الإنكار مش هايفيده بيصدقهم ويعترف على طول.. الكوميدي بقى في القصة إن غالبا "الاعتراف" مش هايفيده برضه.. لكن دي ممكن نتناقش فيها في فيلم تاني بلجنة رقابية مختلفة..

الكلام زاد في السنة الأخيرة دي عن الإلحاد والملحدين لكنه في الغالب كلام شبيه بكل المناقشات اللي تناولت الموضوع ده في أزمنة مختلفة.. أنا هنا مش بأتكلم في صواب الفكرة من عدمه لأن مش ده المجال للمناقشة دي لكن بأتكلم على نفس فكرة "الإنكار مش هايفيدك"..

لو بتتكلم مع حد مش بيؤمن بوجود الخالق.. أو بيؤمن بوجود خالق لكن مش بيعبده.. أو بيُعبد الخالق لكن مش بيتبع ديانة وضعية أو سماوية غالبا بيكون فيه الميل إنك تقولّه (لو إنت مؤمن باللي هو مش مؤمن بيه) إن الإنكار مش هايفيده.. إن لو طلع إن فيه إله هايكون عنده مشكلة..

لكن على نفس المثال يا ترى مجرد الاعتراف بوجود خالق أو رب أو إله هايفيدك؟ يا ترى كفاية إنك ترتاح نفسيا إن "فيه ربنا" وإن إنت صح وإن "يا حرام صاحبي الملحد طلع غلط"؟.. أو إنك "أفحمته" لما أثبتله إن فيه رب؟


المرحلة دي خطيرة لأنها شبه فكرة إن حد بيقولك إن أبوك مش أبوك.. إنت طبعا متأكد إنه أبوك.. هو بيقوللك إن مافيش دليل.. وإنت تقضي عمرك كله تعمل تحليلات وتجيب صور قديمة وتتكلم مع ناس كانت ساكنة في الحتة اللي اتولدت فيها وغيره عشان تثبتله إنه أبوك.. <وبعدين؟>.. لأ ولا حاجة.. إنت طلعت صح.. <أه طب وأبوك؟>.. ماله؟

أصل الفكرة كلها هي مش في المعلومة.. مش في مين طلع صح.. لكن في مين عمل إيه بالمعلومة دي.. ناس كتير ما عندهاش أي شك في إن أبوهم وأمهم هم الأب والأم الحقيقيين.. لكن وبعدين؟ هل ده معناه إنهم حاسين بالبنوة ناحيتهم؟ مش شرط.. الخوف كل الخوف إني أرتاح إن "فكرتي طلعت صح".. وبس.. وهنا غالبا بيتساوى الاتنين.. يعني في الحالتين هايقولولي يا واد يا مؤمن (تريقة على إيماني اللي بالكلام وبس لكنه من غير معنى) أو يا واد يا ملحد (لأني بابذل مجهود ضخم في إثبات عدم وجود شخص أنا مش مقتنع بوجوده أصلا)..

كونك بتتريق على ملحد لأنه مش شايف العظمة اللي في الكون مش معناه إنك على علاقة قوية بخالق الكون.. بل يمكن العكس.. يمكن إيمانك هو مجرد تصديق إن فيه خالق ورب لكنها مش أكتر من معلومة..

إذا مصدق في وجود إله هل يا ترى الاعتراف ده توقّف هنا؟ ولا أنا فعلا على علاقة قوية شخصية بالخالق اللي أنا مصدق فيه؟

Thursday, April 11, 2013

منطق الطَعْميّة

هدينا شوية بعد ما فشّينا غلّنا عشان نرُد على اتهام الطعمية؟ .. كويس.. نفكّر بقى (يعني كنوع من التغيير مش أكتر).. هو إحنا إيه اللي بجد بنعرف نعمله ومتميّزين فيه عن غيرنا؟

السؤال طبعا لما اتقال ممكن يكون بيحمل سخرية.. ممكن يكون بيحمل بعض الجهل بالماضي العظيم والحضارة اللي ما حصلتش ومش هايحصل زيها.. لكن.. و"لكن" دي كبيرة قوي.. "الخناقة" الشعبية اللي أغلبنا كان مبسوط بيها هي تكنيك كلاسيكي جدا في الخناقات..
في أي خناقة "هايفة" تلاقي لو واحد "اتريق" على واحد تاني أغلب الردود ممكن تبقى "وإنت مالك؟" أو "وإنت مين إنت؟" أو "أنا على فكرة ما طلبتش رأيك".. وممكن في مواقف تانية ومع ناس تانية تتطرق لمواصفات لأفراد من الأسرة الكريمة..

لكن بيفضل السؤال موجود بالمناسبة.. الشتيمة آه مابتلزقش.. لكن غالبا بنعاني أكتر لما بنحس إن السؤال كمان مش مهم يلزق..

وعلى الرغم من انتقادنا المستمر لمحاولات مسئولين في أحزاب أو في السلطة التهرب من الإجابة على أسئلة.. وبنشوف في ردودهم مجرد "تريقة مضادة" أو "هجوم على شخص السائل" أو "تشكيك في خلفية المعترض" أو "تعليق على توقيت الفيديو" وغيرها من الحاجات اللي بتبان لنا لو محايدين.. (هي غالبا مش لو محايدين.. لكن لو السؤال "على هوانا").. إلا إننا عملنا نفس الحكاية بالظبط..
على غرار "دي سافرة مش محجبة" أو "إيه اللي ودّاهم هناك" أو "هُم المفلسون" كانت ردود معظمنا على سؤال أو تحدّي الطعمية..

واللي استغربتله شويتين تلاتة كده هي إن معظم التريقة أو الردود كانت للأسف تأكيد على "منطق الطعمية".. يعني فكرة إن البلد اللي جاي منها النقد بلد صغيرة مثلا.. (قال يعني حوش المساحة اللي إحنا عايشين عليها.. ده إحنا متحشرين في جزء ضيق جدا من البلد وسايبين صحرا هنا وهناك).. المهم.. نتريق على إيه؟ أسهل حاجة: إن البلد دي صغيرة.. منطق الطعمية.. اللي هو الحجم مهم جدا.. وده ينطبق على قُرص الطعمية.. سندوتش الطعمية..أو محل الطعمية.. The bigger, the better لأن في الآخر أهو كلّه طعمية.. نفس الزيت اللي اتهرى ستاشر مرّة في القلي.. ونفس الطاسة ونفس شكل كل حاجة..

لكن بجد.. إيه اللي إحنا متميزين فيه عن غيرنا؟ .. هه؟.. يعني مثلا أحسن رعاية صحية؟ .. بلاش.. أحسن سياحة؟.. أكتر دولة بتستغل الطاقة الشمسية؟.. بلاش.. المرور مثلا؟.. طب التعليم ونسبة الاكتشافات والاختراعات؟.. بلاش دول.. هل يا ترى التسامح الديني اللي مش موجود في أي حتة تاني؟ (آه.. معلش آسف على السؤال).. هل مثلا أكتر شعب مبسوط ودمه خفيف؟ إحنا حتى يا ريت مركزين في الطعمية..

بلاش كل الأسئلة الغلسة المحبطة دي.. طب إيه اللي ناويين نكون "أحسن دولة" فيه في العشر سنين الجاية؟

أسهل حاجة للرد هي "ماعندناش موارد" و"الزيادة السكانية" و"الدول التانية بتحقد علينا".. مش عارف ليه حاسس إني بأشبّه على الجُمل دي.. تكونش هي دي الجمل اللي النظام بيحاول يروجها؟

الخُلاصة إن طبعا فيه طعمية.. لكن الخطورة إن كمان فيه "تعمية".. مش إننا مش عارفين نشوف.. لأ.. إحنا مش ناويين نشوف.. والفرق رهيب.. إحنا فاكرين نفسنا أحسن ما يمكن.. ما فيش أحسن من كده.. أذكى طفل وأمهر طبيب وأأمن طيّار.. فعلا؟.. ملاحظينها يعني؟ ولّا إحنا الشعب الكوميدي اللي بيضحك على نُكته؟

هانكون أحسن بلد في حاجة معينة؟ آه طبعا ممكن.. طاقة شمسية وقطن ومزيكا وسياحة وحضارة ومساحة وجو هايل وعمالة شاطرة.. لكن كل الحاجات دي طاقات ما استخدمنهاش.. طاقات ما قررناش إننا نتحرك عشان نسبق "الدول الصغيرة الوحشة دي".. ما حدش ليه حق يتريق (رغم إننا بنتريق على الخلق كلهم) وبلدنا ملكنا وينفع نكون أحسن.. لكن نعترف بالمشكلة بدل ما كل اللي نعمله إننا نعمل مبادرة لقلي قُرص طعمية أكبر من مساحة البلد اللي اتريقت..

كفايانا "تعمية".. وممكن كتغيير يعني نجرّب نعترف إن عندنا مشكلة.. ووقتها نختار حاجة نتميّز فيها.. أياً كانت الحاجة دي.. حتى لو كانت إننا نسعى يكون عندنا أحسن وأنضف أكل.. بما فيه الطعمية..

Saturday, April 6, 2013

هو الحل؟

 
"الملل" و"مصر" هم كلمتين ماينفعش ييجوا في جملة واحدة.. ولو إنت مصري سواء عايش في مصر أو برّة فالمتعة مستمرة.. كفاية إنك كل ساعتين تلاتة تتابع اللي بيحصل على الساحة السياسية (حلوة حتة "الساحة" دي).. هي مش سياسية قوي لكن يعني ممكن نحاول نمشّي فكرة إن اللي بيحصل ده سياسة..
المهم إن من ألطف التحديثات (أول مرة أقول أو أكتب الكلمة دي) حكاية الشعارات الدينية وإمكانية استخدامها من عدمه.. والسماح لغير المسلمين باستخدام شعارات دينية بحيث ما تتعارضش مع الشريعة الإسلامية هو في حد ذاته يا إما خبر كوميدي يا إما نكتة.. توقعي إن بعد كام سنة كده هايختفي سؤال "أقوللك نكتة؟" وهايحل مكانه سؤال "أقوللك خبر؟" وهايكون للسؤالين نفس التأثير الكوميدي المحبب إلى النفس!
لكن المُقلق في القصة مش استخدام شعار "الإسلام هو الحل" أو عدم استخدامه.. والفكرة كمان مش يا ترى الشعار ده ديني ولّا لأ.. ولا الحكاية الطريفة بتاعة إن المسيحيين كمان من حقهم يستخدموا نفس الشعار لو عايزين (شايفين المساواة؟).. لكن الفكرة أبعد وأعمق شوية من كده..
أنا ممكن أتفهم فكرة اللي بيقول "الإسلام هو الحل" لكن فهّمني.. هو الحل لإيه؟ هو فيه مشكلة؟ هو فيه اعتراف رسمي من مسئول أو سياسي إن فيه أي مشكلة؟
هي إيه المشكلة اللي في البلد اللي محتاجة "حل"؟ .. كتير من اللي بيتبنى حلول ما يعرفش ولا درس ولا شاف المشكلة فين..
لو نبُص حتى على تصريحات المسئولين عن "تحديث" و"تطوير" و"استكمال مسيرة" و"تيسير" وغيرها من التعبيرات اللي الحقيقة تدّي إحساس إن كل حاجة زي الفل.. إحنا بس عايزين "نزوّد" و"نكتّر" و"نحسّن" و"نكمّل".. وسط كل مصايب السكة الحديد والصحة والتعليم والطرق والأكل والبنزين والسكن والعنف والاضطهاد والتحرش والتزوير إحنا مش شايفين مشكلة.. إحنا زي الفل.. إحنا بس بندوّر على حل..
مرّات كتير بنفتكر إن "التشخيص" ده بتاع سنة أولى.. ده معروف.. سهل.. لكن العلاج هو اللي صعب.. هو ده بقى بتاع بكالوريوس! على الرغم إن أغلبنا يا إما عانى يا إما سمع عن صديق أو حد في الأسرة عانى بسبب تشخيص غلط ودّى مريض في داهية..
الحلول سهلة.. موجودة.. خصوصا إننا مش أول دولة في الدنيا يعني.. فيه دول تاني اكتشفت واخترعت ووصلت لطُرق تعالج وتخفف وتصلّح مشاكل.. لكن هانفضل مش لاقيين فايدة طول ما بندوّر  في الشارع المنوّر على المحفظة اللي ضاعت في شارع ضلمة.. الشارع المنوّر حلو.. جميل.. لكن عمري ما هألاقي فيه الحاجة اللي ضاعت في حتة تاني..
كلنا جاهزين بحلول رهيبة وعظيمة للإدمان والعلاقات الفاشلة.. لكن ناويين نشوف المشكلة فين أو نعترف بإن فيه مشكلة من الأساس؟ لأ.. إزاي.. إحنا نستسهل ونقعد بقى نتناقش يا ترى ينفع نستخدم شعارات دينية ولا لأ..
هايفضل أي حل بيتقدم هو مجرد جملة لطيفة رنّانة ممكن تكون صح أو غلط بتستهلك كل الطاقة في المناقشة حوالين نستخدمها ولّا لأ.. دينية ولّا لأ.. نسمح للمسيحيين يقولولها ولّا لأ.. ناسيين إن غالبا مشكلتنا هي إننا مش شايفين إن فيه مشكلة..


Saturday, March 30, 2013

بتتكلم مسيحي؟

تُهمة غريبة جداً.. طبعا مش مستغربها في الإطار بتاعها (اللي هو بقى كله طريف الصراحة) لكن فكرة إن حد يقول "ده أنا سمعت ناس بيتكلموا مسيحي" دي فكرة جديدة بصراحة وتستحق الإشادة.. المهم.. مش بأتكلم دلوقت خالص على الأحداث الحالية.. لكن التعبير بتاع "بيتكلموا مسيحي" ده لفت نظري لحاجة تانية..
هو أنا ممكن الناس "تفقسني" كده وتكتشف علاقتي بربنا من غير ما يشوفوا خانة الديانة في البطاقة؟ هو ممكن حد لوحده كده يكتشف مدى العَمار اللي بيني وبين الخالق من مجرد كلامي؟ أو تصرفاتي؟ أو نظرتي للحياة؟ أو شغلي؟.. ممكن الناس تعرف من "اللهجة" اللي بأتكلم بيها؟ وطبعا ما أقصدش لهجة أو لكنة الكلام ولا الكلمات المعتادة اللي ممكن تدل على توجهاتي من ناحية الخالق.. يعني مش قصدي جُمل زي "ربنا معاك" (تبقى مسيحي على طول) أو "بالتوفيق إن شاء الله" (تبقى مسلم) أو "صلوات القديسين" (تبقى مسيحي أورثوذوكسي) لكن أقصد إن يبان في أفعالي إيه المهم وإيه اللي بالنسبالي ما يتقدرش بفلوس؟..
الناس مش عبيطة.. (طبعا فيه بعض الناس عبيطة لكنهم أقل عددا من اللي بنتوقعه).. الناس عندها القدرة على إنهم يعرفوا من كلامنا وحكاياتنا ونكتنا وهزارنا وشغلنا وتعليقاتنا والمزيكا اللي بنسمعها إحنا مين.. مش محتاجين يشوفوا البطاقة ولا يسألوا على الاسم ثلاثي ولا يشوفوا صليب مدقوق على الإيد أو زبيبة صلاة واضحة.. الناس ما بقيتش بتُحكم على اللي بنقوله حرفيا في كلامنا لأن أغلبنا بيقول كلام لطيف.. أغلبنا بيستند على تعاليم جميلة وسامية لمعتقدات دينية مختلفة.. لكن رادار الناس بيعرف يُلقط إشارات تاني.. يعرف يشوف من الإشارات دي عيشتك شكلها عامل إزاي.. تقييمك للدنيا والشغل والحب والرحمة شكله إيه..
إنت مش محتاج تشوفني داخل مسجد أو كنيسة أو معبد أو مكان صلاة.. مش محتاج تسمع مني آيات عن الرحمة والحب والمودة والتسامح.. ومش محتاج تلاحظ علامة معينة في لبسي أو أكلي أو صورة متعلقة على الحيطة أو برنامج أذكار أو آيات على تويتر.. لكن عُمره ما كان صعب إن حد يبان عليه لو هو مجرد "متديّن".. ممارس لطقوس جميلة وكويسة.. لكنه يمكن مش "مُتقن اللغة".. اللغة اللي بيها كلامه مختلف.. تعليقاته مختلفة.. توجهاته غير باقي الناس..
تُهمة بيتكلموا مسيحي دي ماطلعتش حاجة وحشة ولا حاجة..


Tuesday, March 26, 2013

سعادة تفصيل

يوم 20 مارس احتفل العالم بيوم السعادة العالمي.. ماشفتش ولا قريت عن مظاهر الاحتفال في الأماكن المختلفة من العالم لكن افتكرت وفكّرت في حال كتير مننا لما بتيجي سيرة السعادة والتفاؤل والبهجة والحاجات دي.. أغلبنا زهق من الكلام عن السعادة لأننا زي ما يكون كده ارتضينا إن فيه نوعين من الناس: ناس حظها تعيش سعيدة.. وإحنا. واللي مش سعيد في الموضوع ده إن في أوقات كتير عندنا إحساس إن "فُلان أكيد مبسوط" أو "أنا لو مكان فُلانة لازم أبقى طايرة من الفرح".. لكن بتيجي المفاجأة إن مافيش حد طاير ولا حاجة.. إلا يعني من بعض الأمثلة لناس بنشوفها مبسوطة في مواسم كده.. كل فين وفين لما بنلاقي حد ونقدر فعلا نقول إنه كان مبسوط.. ونلحقه على طول ب"خير اللهم اجعله خير" أو "إيه الحكاية؟ شكلك مبسوط يعني النهاردة"..
ولأننا غالباً بدأنا في سن معين كده نحس إننا المفروض بقى ناخد دور البني آدم الجد.. وقت الهزار والانبساط خلص وبدأنا "الحياة العملية" زي ماتكون جملة "الحياة العملية" دي هي المرادف بتاع "النكد" أو"شيلان الهم"..
نسينا حتى هي إيه السعادة.. ما عملناش حساب إنه لو يوم من الأيام صحينا و"خير اللهم اجعله خير" بقينا من الناس إياها اللي "مكتوبلها" الانبساط هانبقى عاملين إزاي.. ما نعرفش..
قادرين نميّز السعادة في حاجات قليلة قوي.. غالبا ليها علاقة بالأطفال.. اللي ساعات بنشوف فيها بعض "العبط" لأنهم مبسوطين بحاجات هايفة.. شبطانين في لعبة قديمة أو عروسة شكلها غريب ومبسوطين.. ولأن مجتمعاتنا بتصعّب علينا الموضوع عن طريق أوهام لسعادة "معلّبة".. سعادة "موصوفة".. "مرسومة".. كل اللي عايز يبقى سعيد لازم يبقى متجوز ومخلّف طفلين وبيروحوا يصيفوا في المكان الفلاني وبياكلوا الأكل العلّاني.. وأنا مش مستغرب من ده لأنه صورة من صور محاولات المجتمع إنه يحطنا في قوالب.. في علب.. (غالبا هي دي ظاهرة "العولبة")..
المهم إني اكتشفت إن فيه حاجات بتبسطني.. و"خير اللهم اجعله خير" برضه ممكن تكون حاجات مش في قاموس المجتمع.. وقررت إن مش شرط أمشي على قاموس المجتمع.. ومش شرط أستشير المجتمع في إيه اللي ممكن يبسطني..
مزيكا حلوة ووقت كويس مع ناس بأحبهم وكتاب ممتع ومسلسل لطيف.. ماشي.. كلها حاجات كويسة.. بس يمكن تكون قوالب جاهزة.. اللي ناوي أعمله إني أركز في السعادة التفصيل.. السعادة اللي ممكن تكون صعب تتشرح لحد تاني.. صعب تتسرق.. وصعب تتفهم..
السعادة التفصيل هي اللي بتخليني أفرحلك لما تلاقي حاجة تبسطك.. من غير ما أحس جوايا إني يا خسارة ماعنديش الحاجة دي.. أصلها مش هاتكون مقاسي.. سعادتي هي قراري إني أشوفني مبسوط وأتلكك إني ألقط الحاجات اللي بتبسطني وأعملها..


Tuesday, March 19, 2013

نُص الكوبّاية

دعوات التفاؤل في أحيان كتير بتستخدم فكرة "نُص الكوبّاية" عشان تعبّر عن إن ينفع الواحد يبُص على الحاجة الإيجابية بدل ما يشتكي من باقي الكوبّاية الفاضي.. وعلى الرغم من رجاحة الفكرة (حلوة "رجاحة" دي) إلا إن فيه مغالطات كتير بتحصل كل ما بنقيّم كوبّاية على إنها نُص مليانة..

عايشين بقالنا فترة بنُص كوبّاية.. وعلى الرغم إن بعض الناس اللي ممكن يسمّوهم متشائمين شايفين إن حتى نُص الكوبّاية مش موجود.. وغيرهم اللي شايفين إن الكوبّاية نفسها اتكسّرت من فترة إلا إن افتراضنا إن نُص الكوبّاية "كفاية" و"أهو يمشّي مؤقتاً" هو افتراض من وجهة نظري ساذج..

ليه؟ لأن ببساطة إذا إنت ماعندكش ميّة تكفّي الكوبّاية استخدم فنجان يا أخي!.. لكن إصرارنا على نُص كوبّاية إصرار بيودينا في دواهي (كذا داهية يعني).. نُص ديمقراطية (صناديق تقول كلمتها وطوابير).. نُص أمن.. ونُص تعليم.. ونُص صِحة.. ورُبع زتون!.. ببساطة تهريج..

اللي ممكن يكون ملفت الكام سنة الأخيرة دي هو كمان نُص الكوبّاية بتاع المعرفة.. كل واحد قراله مقالة أو دوّر على معلومة على جووجل (أو "غووغل" عشان لو قريب حد هنا ولّا حاجة) أو سمعله حلقة في برنامج بقى عارف كل حاجة عن الاقتصاد والجواز والعلاقات الدولية والأمراض النفسية وإحساس كبار السن والمثلية الجنسية!.. ولأن المخ عنده الميل (اللي المفروض إنه ميل طبيعي) إنه "يقرّب" المُعطيات اللي جايّاله لأقرب تفسير عنده فكتير مننا بنُقع في مشكلة إننا بنستنتج ونحلل ونقارن ونقرر بسرعة.. في مقابل إن لو المخ اتعرض لمُؤثر جديد تماما أو لمؤثر مالوش شبه في المخزون اللي عنده عادة بنميل إننا نستفسر ونحاول نلاقي معلومات أكتر عشان نفهم..

فيه تجربة لطيفة عرضوا فيها صورة باين فيها وش لاعيبة تنس وسألوا الناس إيه المشاعر اللي عند اللاعيبة في اللحظة دي.. نسبة كبيرة جدا من الناس قالوا "إحباط" أو "حُزن إنها ضيعت نقطة".. لما عرضوا الصورة كاملة (باين فيها قبضة إيد اللاعيبة) كان باين جدا إن المشاعر وقتها كانت العكس تماما.. إنها كانت مشاعر "سعادة" و"راحة".. كل ده كويس.. لكن اللطيف أكتر إن لما الصورة اتعرضت لناس تاني لكن الصورة كانت بخلفية مش واضحة والكاب مش باين ووش اللاعيبة بس هو اللي موجود الناس رفضت تقول أي مشاعر.. قالوا "قولولنا أكتر هي فين؟ بتلعب رياضة معينة؟ ولّا موجودة في جامعة؟ ولا في الأوتوبيس؟" ..لأن المُخ ما عرفش يقرّب اللي شايفه في الصورة اللي مش واضحة بالمخزون اللي عنده.. لكن المخ في أول تجربة اتخمّ بنُص التفاصيل.. وكان أحسنله إن مايكونش فيه وضوح (فالناس تستفسر أكتر) عن إن التفاصيل تبقى نُص نُص والناس تتخمّ..

نُص الحقيقة ونُص المعلومة ونُص المقال ونُص المعرفة هي طُرق استفزاز.. وعلى الرغم من إن نُص الكوبّاية بيبان إنه "خطوة" وإنه "أحسن من بلاش" إلا إن مرّات بلاش بيبقى أحسن!.. بلاش بيخليني أعرف إني محتاج أبحث في الموضوع وأدوّر فيه..

اعتيادنا على نُص الكوبّاية المليان هو حاجة مؤسفة لأنه لا خلّانا نكّمل نملا الكوبّاية ولا حتى بعنا الكوباية وجبنا كوبّاية أصغر ولا حتى اعترفنا إننا ماعندناش اللي يكفّي..

مش عيب إني بأعرف نُص معرفة لكن لو كل كوبّاياتي أنصاص يبقى بأضحك عليك لو وعدتك إنك تجيلي ترتوي..

Tuesday, March 12, 2013

اللي اختشوا ماتوا

تعبير "اللي اختشوا ماتوا" من التعبيرات المستخدمة كتير في كذا موقف.. والقصة ورا التعبير ده برضه بتُعتبر من القصص القليلة المشهورة لأصل بعض الأمثال والتعبيرات المتداولة..

الحكاية عن حمّام عام (مكان الناس بيستحمّوا فيه) زي ماكنا بنسمع عن "حمام التلات" كده.. المهم إن في أحد أيام التلاتات كان فيه يوم تلات منيّل وقامت حريقة في الحمّام العام ده.. الناس احتارت يا ترى يخرجوا جَرْي من المكان عشان ينفدوا بجلدهم من الحريقة؟ ولّا عيب إنهم يطلعوا يجروا عريانين؟ بس.. خلصت القصة على كده :).. اللي جريوا زي ما هم عاشوا.. واللي اختشوا ماتوا..

أغلب الظن إن استخدامنا الحالي للجملة دي هو العكس تماما.. بمعنى إننا لما بنقول "اللي اختشوا ماتوا" غالبا بنقصد إننا "نترحّم" على أيام كان الناس فيها عندها دم.. كان المسئولين "مسئولين" بجد.. بنترحّم على أيام كانت الناس عندها "خِشا".. كانت الناس بتقدّر وتحترم وتتكسف.. لكن اللي بقالي وقت بأفكر فيه هو التطبيق الأصلي للتعبير ده في الموقف اللي اتقال فيه..

في حياتي حاجات كتير "خايف" أغيّرها.. خايف حتى أفكّر فيها.. حاجات "أختشي" إني أناقشها أو أتحدّاها أو أفكّر في بدايل ليها.. ولأن مرات الخوف و"الخشا" بيبقوا سهلين ساعات بيبقوا سهلين لدرجة إنهم ممكن يموتونا.. ومجتمعنا الحقيقة بيسهل علينا الحكاية دي.. حاجة كده شبه "معقول يا راجل تنزل كده من غير القميص عشان حتة زلزال؟ عيب!"..

إيه اللي في حياتي مكسوف منه لدرجة إني ممكن أموت وماحدش يعرفه؟ إيه اللي في حياتي مش مستعد إني أتحدّاه وأغلبه لأني خايفه هو اللي يغلبني؟

منظري قُدام الناس ولّا حياتي؟ شكلي إني بني آدم مُحترم وكويس ومُلتزم ولّا حياتي؟ أموت مش مهم.. مادام ماحدش يكسفني؟ ولّا أعيش وأعافر في الحياة وأقاوح عشان كل دقيقة إدهالي ربنا أعيشها للآخر؟

خايف أكون مستسهل الموت.. خايف أكون مش مقدّر قيمة الحياة.. خايف إني أخسر كتير لمجرد إني مكسوف إني أواجه ضعفي وإني جوايا عريان ومسكين وبائس بس بأكابر.. مادام ماحدش شايفني في ضعفي.. حتى لو النتيجة إني أموت..

وساعتها الناس اللي عاشت واستمتعت بالحياة بيبقوا هم الناس اللي ما همّهمش يقولوا عليهم إيه لو بيجروا عريانين هربانين من حريقة.. وأما بقى اللي اتكسفوا وخافوا.. واللي غطّوا على ضعفهم.. واللي اختشوا.. ماتوا..