معظمنا جاله وقت وإتمنى أمنية "آه لو نعرف نموّت
الموت".. "آه لو نقدر ما نعبّرش الموت ولا يكون فارق معانا"..
رغبتنا في إننا نغلب الموت رغبة قريبة قوي من الغريزة لكنها كمان بتبان منطقية
وجذابة لو فكرنا فيها..
لما بتيجي أخبار عن موت حد نعرفه أو شاب صغير أو ناس
بريئة أو أطفال بتيجي مع كل خبر أحاسيس مُرعبة من الحيرة واللخبطة.. مشاعر إن
الموت مالوش "مسكة".. ما حدش إذا جاز التعبير عارف "يلمّه"..
ماحدش قادر يفهمه أو يتوقعه أو يستعد له للآخر..
ومع كل الصدمة والألم والبُكا بتيجي مرحلة من شوية
حسابات غالبا معظمنا بيعملها تلقائيا بعد ما يهدى شوية.. أسئلة وعلامات استفهام زي
"هو أنا ممكن أموت قريب؟" "في السن ده؟" "أهلي وأصحابي
وحبايبي هايعملوا إيه؟".. وبرضه بتيجي كسرة القلب مع كل تعليق بنسمعه اتقال
على لسان اللي ماتوا.. إزاي كانوا متضايقين في آخر وقت.. أو إزاي كان ممكن يتفادوا
الحادثة.. أو قد إيه أحلامهم كانت أحلام بسيطة.. أو قد إيه كانوا بُسطا وطيبين
ومحبوبين..
والظاهر كده إن الحكاية دي حركت ولسة بتحرك أنشطة كتير
في الحياة زي مثلا الاختراعات والأبحاث اللي بتحاول تطوّل العمر أو تمنع التعب أو
تعالج أمراض.. أو الأنشطة اللي بتساعد الناس تكسب فلوس أكتر عشان تعيش عيشة أريح
وتأجل "الضيف السخيف" اللي كلنا عارفين إنه هاييجي..
أكترنا قبول لفكرة الموت بيشوف فيها انتقال لحالة أفضل
فيها حياة لكن من نوع شكله مختلف عن الحياة على الأرض.. لكن من أكتر الناس قبول
للفكرة فيه ناس مش عايزة الموت عشان الألم والوجع اللي بيسببه مش لينا لكن للناس
اللي بنحبهم وبنسيبهم ورانا..
ولأن الموت في مفهومنا البسيط هو أقصى درجات غياب
الحياة, فالمطلوب لهزيمته حاجة تكون "أقصى" برضه.. ما ينفعش نُص نُص..
واعتقادي الشخصي هو إن الوحيد اللي يغلب الموت هو "الحب"..
الحب هو اللي بيخلي الأم والأب على استعداد كامل إنهم
يموتوا حرفيا عشان ابنهم ما يتأذيش.. ذكرى اللي بيموت بتفضل مستمرة مش على قد ما
أنجز من اختراعات وفايدة للبشرية.. ومش على قد تأثيره وقوته السياسية ولا عدد
الأحلام اللي عرف يحققها.. ناس كتيرة "ماتت" وهي لسة بتتنفّس وبتاكل
وتشرب وتمشي لأن ما حدش حبها.. ذكرى اللي بيموت بتفضل مستمرة عند الناس اللي
بتحبه.. وعند الناس اللي حبهم..
الحاجة الوحيدة اللي تخلي إنسان يفضل عايش حتى لو مات هي
إنه يكون حَب واتحَب للآخر.. ساعتها بس وجود الجسد الضعيف ده أو غيابه مش هو
العلامة الوحيدة اللي بتدل على الحياة..
كل واحد عرف يحب وعرف يستقبل الحب غالبا أخد شوية خطوات
عشان يموّت الضيف السخيف اللي ممكن يفرّق أجسام الناس عن بعض لكن ما يقدرش يمسح
مشاعر حب اتكونت بين المحبين..
كل حد حبني وحبيته محبة حقيقية هايفضل عايش على طول.. والحب
هو اللي هايخليه عايش في تفكيري.. عايش في ذكريات حلوة بأفتكرها.. عايش في ألبوم
الصور وفي أماكن روحناها وحكايات قلناها.. عايش في أحلام حلمها وناس أثر فيها
وبصمات سابها..
اللي غلب الموت ما غلبهوش بالشطارة ولا التكنولوجيا
والعلم.. اللي موّت الموت موّته بالحب..



