Saturday, June 27, 2015

مش هي دي مصر

لما تحب في مصر صوت بتاع غزل البنات وقرص الطعمية اللذيذ وأحلى طبق مشكِّل من عند مشويات السعراوي زي بالظبط لما تحب في رمضان الزينة الملونة والفانوس القزاز والكنافة بالمش عارف إيه، وزي ما تحب في كلية الطب الكافيتريا الهايلة عشان بيعملوا شاورمة جميلة أو عشان أم عادل اللي على طول عندها دمغات وبتمشِّيلك ورقك من شئون الطلبة
السطحية والسذاجة اللي في الأمثلة دي مش بعيدة عن مناقشات كتير عن 'حب الوطن' في حين إن حبك لرمضان أو اقتناعك بكلية الطب المفروض يكون مبني على حاجات تانية خالص
في كل مرة ناس بتشاور على موقف 'استثنائي' فيه حد ساعد حد أو رجَّع فلوس لقاها أو منَع تحرُّش أو أو أو، مع التعليق الشهير: هي دي مصر! الحقيقة مش بيتهيألي إن هي دي مصر ولا هيَّ دي أي دولة، لأن قُدَّام الأمثلة الاستثنائية العظيمة الجميلة دي، فيه أمثلة تانية لحاجات هي العكس بالظبط وتكاد تكون بطريقة أكثر انتظامًا ومنهجيَّة وأقرب للواقع
مصر (زي أي دولة تانية) منظومة متكاملة، منظومة فيها قدر (نختلف على كونه قدر كبير أو قليل) من العدل والأمن والإبداع والتعليم والعلاج الصحي وغيرها من الحاجات اللي بتشكل كيان أي دولة.. الدولة اللي بنقول عليها دولة 'حلوة' أو 'وحشة' مش هي الدولة اللي عندها أحلى أيسكريم أو أجمل تمشية على البحر أو حتى أعرق آثار
اللي محتاجين نفتكره إن زيارة لمدة أسبوعين كفيلة بإن السايح (أو المغترب اللي نازل أجازة) يقدر ياكل من عند أبو طارق ويروح إسكندرية كام يوم ، ويتمشَّى على النيل، وياكل ترمس ودرة وبليلة، إلخ، لكن مش هي دي مصر.. مش هي دي الدولة 

مصر اللي نحب إننا نحبها هي المفروض أشمل وأكبر من كده، والحاجات والمبادرات واللفتات اللطيفة دي هي مش أكتر من كده: لفتات لطيفة، لكن عشان تقول عن دولة: أهي، محتاج تشاور على القانون وتطبيقه وعلى التعليم ومستواه وعلى الصحَّة وعلى الحاجات الأكتر استمراريَّة، مش على طبق الكنافة اللي بيديه الجار المسيحي لجاره المسلم ولا على جمال شكل الفوانيس في الشارع ولا شهامة الشاب اللي بيعدِّي واحدة مسنَّة الشارع.. لأن ببساطة مش هي دي مصر

Saturday, June 20, 2015

تشترط الخبرة

فيه تعبير في الإنجليزي اسمه "Kicking the bucket" وده تعبير عن الموت، وغالبًا هو أصل جملة "Bucket List" وهي عبارة عن قائمة بمجموعة حاجات الشخص يتمنَّى يعملها قبل ما يموت..

الملحوظ في معظم القوائم دي إن الحاجات اللي فيها غالبًا متعلقة بخبرات حياتية مش بممتلكات، يعني قليل ما هنلاقي حد كاتب إنه يتمنَّى قبل ما يموت إنه يشتري حاجة معيَّنة، لكن الأغلبيَّة بيتمنُّوا يعملوا حاجات ليه علاقة بخبرة حياتيَّة جديدة، زي مثلًا السفر لمكان معين أو حضور حفلة لمغني بيحبه أو إنه يتصوَّر مع شخص معين وهكذا..

ولأن العصر اللي بنعيش فيه هو عصر استهلاكي فأغلب الإغراءات اللي حوالينا هي إغراءات لحاجات عايزين "نمتلكها" سواء عربيات أو تليفونات أو بيوت أو أو أو... واللي شاطرين شويَّة في التسويق بيحاولوا يسوَّقوا المنتج اللي عايزينَّا نشتريه على أساس إنه هايدِّينا خبرة مختلفة، فلو اشترينا شاليه في المكان الفلاني هانبعد عن الزحمة وهانستمتع بالخصوصية؛ ولو اشترينا العربية الفلانية هانكون أكثر جاذبية وشياكة وكل الناس هاتصاحبنا!

جزء كبير من فكرة الغِنى ليه علاقة بالاستثمار، ومن وجهة نظري الاستثمار الصح هو في إني أدفع فلوس عشان أحصل على "خبرات حياتية" جديدة أو إيجابية مش إني أكنز ممتلكات..

كتير هايستغربوا من الناس اللي ممكن تدفع فلوس عشان تسافر تتفسح، أو عشان يتعلموا مزيكا، أو عشان يحضروا أمسية شعرية، وغيره، ولسان حالهم "يابني مش كنت تشتريلك قميصين أفيَد؟"

فيه خيط رفيع بين الممتلكات اللي بنشتريها عشان نمتلكها "ونتطمن" لأن الحاجة عندنا، والممتلكات اللي بنشتريها عشان نحصل على خبرة جديدة تغني أرواحنا أو نفوسنا أو عقولنا..

الغِنى اللي بتنتجه الخبرات الحياتية دي هو غنى ماينفعش يتسرق مني، ما ينفعش حد يستلفه، ما ينفعش يضيع أو يتخبط أو الشاشة تتجرّح..
أنا غني بالحاجات اللي ماينفعش تتسرق مني، أنا غني بالحاجات اللي مش عندي، اللي مش بامتلكها،
لكن ممكن أكون غني بالعلم وبالخبرة وبالحب وبالقيمة، ودي حاجات ماينفعش تتاخد من حد..

عشان كده القعدة مع الأصحاب على القهوة هي مش مجرد كوباية الشاي اللي بنشربها.. وبالتالي مش بنحسب بس تكلفة كوباية الشاي نفسها لكننا على استعداد لدفع فلوس أكتر شوية في سبيل الاستمتاع في إننا نشوف الماتش على القهوة مع بعض..

السفر والحب والعلم وتقضية الوقت مع الأطفال ومع الكبار في السن، كلها خبرات ماينفعش تتسرق من اللي مر بيها.. السمعة والشهرة والفطنة ماينفعش حد يستلفهم، حب الناس وفن التعامل وغيرهم كلها حاجات عليها علامة مائية بتاعة الشخص..

بدأت الفترة الأخيرة دي أراجع مدي اتساع الخبرات الحياتية اللي بأمر بيها ومدى استعدادي إني أستثمر في حاجات أغنى وأعمق وأكتر دوامًا من الممتلكات..

بغض النظر عن الBucket List وهل هاكتب قائمة محددة أو لأ، أحب إن أحلامي الوقت الجاي تكون بتغني الخبرات الإنسانية اللي بأمر بيها..
 

Saturday, June 13, 2015

أبانا الذي مش في السماوات

دُوَل كتير على مستوى العالم بتحتفل بعيد الأب في شهر يونيو تالت حد في الشهر، ويمكن عيد الأم هو منافس قوي لعيد الأب، على اعتبار إن سهل نشوف تضحيات الأم وتعبها وسهل نختبر في أكتر من موقف فكرة الحب غير المشروط اللي غالبًا الأم (وتقريبًا كل أم) بتقدمه..
الأب غلبان في القصة دي! أو يمكن يبان الموضوع كده.. بيُقال إن الأبوة مش غريزة، يعني مش زي الأمومة.. الأب محتاج 'يقرر' إن الابن أو البنت دول 'يتحبُّوا'.. الأب محتاج يبذل مجهود واعي عشان يضحي ويحب ويطمن ويرعى.. الأم غالبًا بتقدر تعمل ده بشكل يبان تلقائي..
لكن خطورة دور الأب مش بتتمثل بس في إنه أول واحد في حياة الطفل يحبه حب مشروط (بمعنى إن فيه اختيار للحب، أكتر شوية من الاختيار اللي عند الأم) لكنه كمان هو أول نموذج لعلاقات تانية كتير في حياتنا..
بسبب إن كلنا بنتولد (ولاد أو بنات) من الأم فمش بنعتبر الأم 'حد تاني'، وبنفضل لشهور فاكرين وحاسِّين إننا جزء من الأم، امتداد ليها.. عشان كده الأب بيكون أول 'آخَر' في حياة الطفل، أول حد 'من برة' وهنا بتبدأ تتشكل تقريبًا كل العلاقات التانية، وبتكون العلاقة مع الأب بذرة لشكل العلاقة مع ناس تاني، زي مثلًا السُلطة (بدءًا من المدرسة مرورًا بالدولة والمديرين في الشغل)، لكن كمان العلاقة مع الأب هي الشكل اللي غالبًا كل طفل بيتخيله لعلاقته مع ربنا..
ربنا سبحانه في نظر الطفل غالبًا بيبقى زي بابا، بس أكبر وأقوى ويعرف كل حاجة! النظرة دي مع شكلها البسيط لكنها مش نظرة ساذجة، لأن الله في خلقه لفكرة الأسرة قصد إن الأمومة والأبوة يكونوا بيعبروا ولو عن صورة باهتة عن حنان ورحمة الخالق (متمثل ببساطة وبطريقة مباشرة في حنان ورحمة الأم وطول بالها) وفي نفس الوقت عن حكمته وقوته وسلطته.
الأب مش مجرد راجل بيزعق ويشخط ويقطع المصروف ويفصل كابل الكومپيوتر، الأب هو أول صورة لربنا على الأرض! مسئولية ضخمة ومكانة رهيبة، مكانة ممكن تخوِّف أي أب أو أي راجل ناوي يكون عنده عيال.. ومش غريب إننا نلاحظ إن أغلب اللي عنده مشاكل مع ربنا عنده مشاكل مع أبوه..
في عيد الأب أتمنى السعادة لكل أب، وأتمنى كمان إن كل أب وكل راجل هايكون أب يكون بيستعيد المكانة الأصلية للدور ده، وإذا كان التعبير 'رب البيت' هو تعبير بلاغي في العربي إلا إنه يكاد يكون تعبير حرفي عن دور نسيه كتير من الآباء، وافتكروا بس الصرف والزعيق والشغل الكتير و'أجيبلكم منين' و'هو بابا بيتعب عشان مين'!
قبل ما كل واحد فينا يقدر يقول 'أبانا الذي في السماوات' محتاجين نشوف آباءنا اللي على الأرض بيقوموا بالدور العظيم اللي ائتمنهم ربنا عليه..

Saturday, June 6, 2015

وده دكتور ده ولا عيان؟

من ضمن الأسئلة "العميقة" اللي أغلبنا سألها واحنا صغيرين: "هو الحلَّاق بيحلق شعره عند حلاق تاني؟"، ولما بنكبر شويَّة بنسأل نفس السؤال عن دكتور السنان والجرَّاح وغيرهم

واقتناعنا بإن "فاقد الشيء لا يعطيه" مش بالضرورة معناه إن اللي بيقدِّم خدمة أو مساعدة عمره ما هايكون محتاج لنفس نوع الخدمة من حد تاني.. وطبعًا دكتور السنان هايكون عارف أكتر عن أسباب التسوُّس، وجايز ده يكون بيديله فرصة إنه يحافظ على أسنانه أكتر من غيره، لكن ده ما يمنعش إن الاحتياج لمساعدة متخصص (من نفس نوع التخصص) هو شيء مش مستبعد..

لحد كده وكويس، لكن اللي مش كويس هو لما بعضنا بيفتكر إن قُربه من مجال معين أو إن تخصُّصه فيه ممكن يديله "حصانة" من إنه يكون "في الناحية التانية"، ناحية المريض أو اللي بيعاني من مشكلة.. وبنفتكر إنه طالما أنا اللي بأساعد وبأنصح يبقى عمري ما هاكون في موقف محتاج فيه نصيحة، لأن تقديم النصيحة ده "دوري أنا".. ودي هي الصورة المبالغ فيها اللي بنشوفها لما دكتور يكون بيشرب سجاير ليل نهار ومع ذلك بيقول للعيَّانين عن أضرار التدخين، كما لو إن شغلانته كدكتور تقدر "تحميه" من اللي ممكن "الناس العادية" تتعرض ليه..
 
المجالين اللي لافتين نظري في الوقت الحالي وليهم علاقة باللي باتكلم فيه هنا هم مجال المشورة والمساعدة النفسية، والمجال التاني المجال الحقوقي.. واللافت إن كتير من اللي شغالين في مجال من دول (سواء شغل رسمي أو تطوعي أو هواة) ممكن يقعوا فريسة (حلوة فريسة دي) ممكن يقعوا فريسة لتحديات شبه التحديات اللي بيحاربوها أو بيساعدوا فيها غيرهم.. كما لو إن لسان حالهم إنهم عمرهم ما هايتعرضوا لمشاكل نفسية (لأنهم هم اللي بيساعدوا الناس في مشاكلهم) أو إنهم عمرهم ما هايظلموا حد أو عمرهم ما هايمارسوا التمييز ضد حد (لأنهم في شغلهم بيحاربوا ضده)..

الأمان (المزيف) اللي بيكون عندي لمجرد إني "قريب" من المجال أو "متخصص" فيه أو عندي فيه "خبرة كبيرة" هو أمان مضلِّل وخادع.. معرفتي بمعلومات كتير في مجال معين أو حصولي على خبرة فيه المفروض يكونوا بيساعدوني إني "ألحق" نفسي بدري، وأسعى للمساعدة أو أسعى لتصحيح خطأ أو لتصويب توجُّه غلط عندي.. وهنا أنا محتاج أكون بأستشعر (برضه جديدة بأستشعر دي) أكون بأستشعر قابليتي للتعرض للضعف زي قابلية غيري.. يمكن "علاجي" يكون أسهل أو أسرع.. يمكن أعرف المشكلة كانت فين، لكن كل ده بيبدأ من عدم استبعادي لاحتمالية احتياجي لنفس المشورة أو الحكمة أو المعرفة أو العلاج اللي بأقدمه لغيري..

الموضوع مش شرط يكون يا إما دكتور يا إما عيان، يا إما حقَّاني يا إما ظالم، يا إما نفسيًّا سليم يا إمَّا تعبان.. مننا كتير ده وده في نفس الوقت.. وجزء من الشطارة هو إن الدكتور من وقت للتاني يكون بيسأل نفسه: هو أنا عيَّان؟

Saturday, May 30, 2015

قابل للكسر

من الفنون اليابانية فن اسمه Kintsugi والفن ده متعلق بالأواني المكسورة واللي مش بيصلحوها بحيث إن الكسر ما يبانش، لأ، بيلزقوها بلزق معين ومعاه دهب أو فضة أو بلاتين بحيث إن مكان الكسر يكون باين..


فكرة غريبة شوية! يمكن نكون بنحس إن الميل الفطري اللي جوانا هو إننا نخبِّي العيوب أو على الأقل نحاول ننساها أو نطنشها، أو نتفاداها.. الحتت المكسورة فينا يا إما نحاول "نصلحها ونرجعها زي الأول"، يا إما "نتجاهلها" و"نبص على الإيجابيات" و نـmove on!

ويمكن كمان مجهود كبير بنبذله في سبيل تفادي الكسر من الأصل..بنفتكر إن جملة "قابل للكسر" معناها الوحيد هو: خلي بالك عشان ما يتكسرش.. وحتَّى لو صدقنا إن ممكن حد يعيش حياته من غير ما يتكسر خالص، غالبًا بنشوف الناس اللي عندهم التوجُّه ده بإنهم يا إما مغرورين ومش دريانين الدنيا ماشية إزاي، أو قلوبهم بقت مقفولة ونفوسهم قاسية لدرجة إنهم بقوا مش قابلين للكسر!

"عدم القابلية للكسر" مش دايمًا رمز للقوَّة، ولا "القابلية للكسر" نقطة ضعف، بالعكس! ساعات كتيرة المنتجات الدقيقة الرقيقة الفنية هي اللي بتكون قابلة للكسر، والكاوتش لأ!

الجميل في الفن الياباني ده هو إنه بيفكَّرني بإن "الكسر" هو جزء من الحياة.. على الأقل جزء من حياة الحاجات "الغالية"، والقصة مش في إن الواحد يتكسر أو لأ، لكن القصة في التعامل مع الكسور..

كل كسر وكل عيب وكل أزمة هي مساحة لندم وحزن وحسرة أو لفرح وفخر وقيمة.. فيه قيمة في كل جرح ووجع وكسر، والقيمة دي مش بيحددها الكسر نفسه، لكن تعاملي معاه هو اللي ممكن يدِّي قيمة لحاجة مكسورة..

أتمنى أفْضَل فخور بإني إنسان، فخور بإني هش ومُعرَّض للضعف والخوف والوجع، وماأحبِّش أوصل في يوم إني أكون "كاوتش" مش بأتعرض لوجع ولا يأثر فيَّ خوف أو ظلم أو كسر، لكن أفضَّل أكون بأتعامل مع كل علامة ألم في حياتي، وأفضل قابل للكسر!

Saturday, May 23, 2015

لأ، مش كلك نظر

من فترة كده كان فيه صياغة غريبة شوية لخبر بيتكلم عن "أول ظهور لحسين فهمي مع زوجته الجديدة" وغرابة الخبر كان في اختيار بعض الجرايد والمجلات لكلمة "الضريرة" أو "الكفيفة" لوصف زوجة حسين فهمي.

ومع كامل تقديري لكتير من المحاولات اللي بتبان كويسة (واللي غالبًا بتكون فيه نوايا طيبة من وراها) إلا إن معظم محاولات "الحساسية" في استخدام بعض الكلمات هي لا زالت محاولات "تجميل" و"تلوين" لواقع وحش! فبنلاقي تفضيل لتعبيرات زي "متحدي الإعاقة" أو "عنده احتياج خاص" أو "بمرض فقدان البصر" وغيره في مقابل كلمات زي "معاق" أو "أعرج" أو "على كرسي متحرك" أو "أعمى" أو غيره..

طبعًا لأن الكلمات اللي بنستخدمها بيكون ليها "دلالة لفظية" (إيجابية أو سلبية أو حيادية) فممكن بعض المبادرات دي تكون أفضل من استخدام الكلمات الجارحة، لكن هل ده بيحل المشكلة؟

هي إيه المشكلة؟ مش الضرير ضرير؟ هو إحنا يعني "بنتبلَّى" عليه؟ هو إحنا لما نقول عليه كلام كويس، هايبقى بيشوف؟.. طبعًا مش هي دي المشكلة! المشكلة مش في التسمية، ولا في "الشياكة" اللي بيها نصيغ تحدي أو إعاقة أو فقدان قدرة معينة، لكن المشكلة في "اللي إحنا شايفينه"..

ساعات بنفتكر إن فاقد البصر هو عبارة عن "فقدان بصر طالعله إنسان"!، بنفتكر إن اللي على كرسي متحرك مش بيفكر طول حياته ولا بيعمل حاجة في دنيته غير إنه "بيتحسَّر على وضعه" و"بيدوَّر على حد يركِّبه المترو"! بنفتكر إن اللي ماتجوزش أو ماخلفش أو اللي بيعرج أو اللي مش بيسمع أو اللي مش بيشتغل أو أو أو، هو عبارة عن "الحاجة دي بس" زائد شوية حاجات كده مالهاش لازمة!

وقتها، اللي بيكون لطيف مننا بيحاول إنه يصيغ "المصيبة دي" في صياغة رقيقة لطيفة شيك عشان "ياحرام ما تجرحش" الشخص "الغلبان المسكين" دة اللي ما عندهوش حاجة في حياته يعملها غير إنه "يركِّز" على الإعاقة بتاعته ويقعد يبكي!

صورة فيها من السذاجة قدر كبير جدًّا! صورة سطحية بتختصر البني آدم في وظيفة أو قدرة أو إعاقة أو صورة أو إمكانية وبتتناسى مدى تعقيد البشر..

يمكن بنفهم فكرة المبالغة دي لما بنجامل حد ونقوله "كلك نظر" على اعتبار إنه "بيقدَّر" كويس، لكن مفهوم من المجاملة إنها مجاملة، إنها مش حَرفيَّة! ما حدِّش فينا "كله نظر"! وبالتبعيَّة ما حدش فينا مهما كانت درجة إعاقته أو نوعها "كله عمى" أو "كله عرج" أو "كله فشل"!

الطريقة اللي بنشوف بيها العالم حوالينا مش بتحكي كتير عن العالم على قد ما بتحكي عننا إحنا! الحل مش في إني أشوف في حد عنده احتياج خاص (جسماني أو غيره) إنه "مسكين محتاج مساعدة" وبس، لكن إني أشوف فيه كمان بني آدم أكثر تعقيدًا من إني أختصره في لقب! (بغض النظر بقى اللقب ده "لطيف" و"شيك" ولا "حاد" و"قاسي")..

الوصف اللي بأختاره عشان أحطه في خبر عن حد، بيعبَّر عنِّي مش بيعبَّر بس عن الحد ده.. اختيارك إنك توصفني بإني أقرع أو مناخيري كبيرة أو بألعب مزيكا أو طويل أو مش بأعرف ألعب كورة هو اختيارك إنت! أنا ممكن أكون كل ده وأكتر.. وصفك ليَّ بيعبَّر عنك مش بس بيعبَّر عنِّي..

يمكن جه الوقت اللي نراجع فيه شايفين الناس إزاي (كل الناس).. وهل شايفين فيهم "إعاقة" أو "إمكانية" ماشية على الأرض ومعاها شويّة حاجات؟ ولا الموضوع أكبر من كده؟..

وأكيد لأ، مش كلَّك نظر!

Saturday, May 16, 2015

سحر الأرقام

التعامل بالأرقام ليه سحره وجاذبيته لدرجة إننا مرَّات كتير سواء في التعاملات اليوميَّة أو في الأبحاث والقرارات والخطط بننسى إن سحر الأرقام (زي أي سحر) فيه جزء خادع!
 
الخداع اللي في الأرقام هو في بساطة فكرة إن الأرقام بتتكلم أحسن من أي معلومات تاني، وإن الأرقام مابتكدبش، وغيرها من الجمل اللي غالبًا بتخلينا نشوف في الأرقام الحل الوحيد لفهم أي مشكلة موجودة..
 
ولو بصينا حوالينا هنلاقي هوس بكل ما هو مرتبط برقم أو قيمة عددية، فهنلاقي إننا بنسأل عن الأسعار والسن وحساب البنك، وبنسأل عن عدد المتابعين على تويتر وكام واحد افتكر عيد ميلادي، وكام كتاب اشتريته من المعرض، وعندي كام صاحب على فيسبوك، وبقالي كام سنة في الشغل، وفاضلي كام يوم على التخرُّج، وغيره.. كما لو إن العشر أعداد من صفر لتسعة فيهم المفيد، هم اللي جواهم العمق والمعرفة، وهم اللي يجمعوا بعضهم كده ويتشقلبوا ويترتبوا ويدونا "العلم" و"الحقيقة" وبناء عليهم نحسب مين كويس ومين مشهور ومين طيب ومين شاطر ومين عجوز ومين تخين ومين غني ومين "أي حاجة عايزينها".. ما دام معانا الأرقام
 
الأزمة ما بين الأبحاث الكمِّيَّة والأبحاث الكيفيَّة أزمة مش جديدة، لأن كتير من الأبحاث المعتمدة على أعداد كبيرة من الناس (بيملوا استبيان مثلا) بتبقى مفتقرة للعمق، ومش دايمًا بيكون سهل معرفة "أسباب" الظاهرة أو "دوافع" المشاركين في البحث وغيره، في مقابل إن الأبحاث الكيفيَّة جايز بيكون فيها العمق اللازم (عن طريق مثلا إن الباحث يعمل مقابلات شخصية لمدة ساعة مثلا مع 30 شخص) لكن بتفضل النتايج بشكل عام قاصرة على "عدد محدود" من المشاركين
..
 
لكن الظاهر إن الأزمة دي مش واصلة قوي في تعاملاتنا الاجتماعية، لأننا باين كده إننا متحيزين لصف القياسات الكمِّيَّة، لكن مع الأسف لما الموضوع يتعلق بالبني آدمين، مش دايمًا الأرقام بتنقل الصورة الكاملة وساعات مش بتنقل الصورة الصح على الإطلاق..
 
دي دعوة لمراجعة أفكارنا بخصوص تقييمنا لحاجات كتير، لو كل تقييمنا لنجاح حد أو شهرته أو ذكاؤه أو طيبته أو كونه صديق كويس أو لأ مبني على الأرقام فغالبًا فيه جزء كبير في تقييمنا ناقص..
 
الأرقام حلوة جميلة، لكن سحرها مش بيزيد عن فكرة إنه سحر! ممكن يوهمنا، وممكن جزء كبير منه يكون حقيقي، لكن ممكن جزء تاني يحتاج عمق ودراسة وتفكير وتقييم أكبر..

Saturday, May 9, 2015

ماتيجوا مانغيرش العالم

بنسمع كتير عن ناس غيَّروا العالم، وبنسمع أكتر عن ناس بتنادي بطرق لتغيير العالم بإنك تبدأ بنفسك وتغيَّر حياتك أنت، وما إلى ذلك، لكن السؤال اللي مش كتير مننا بيسألوه أو لما بيسألوه ما بيكونش فيه إجابة هو: هو أنا عايز أغيَّر العالم ليه؟ وإيه المقصود بالعالم؟ هل المقصود أكبر عدد ممكن من الناس؟ آلاف؟ ملايين؟

يمكن بنخاف لو سألنا السؤال ده، لأننا في الغالب هانكتشف إن عندنا كل الأسباب "الغلط" لمحاولة تغيير العالم، ويمكن ساعتها أكتشف إني عايز أغيَّر العالم لمجرد إن "العالم" يقول إن فلان غيَّر العالم! أسباب غالبًا فيها من الأنانية أكتر ما فيها من رغبة في "خدمة الإنسانيَّة" والكلام الكبير ده..

طب هل فيه ناس فعلًا غيَّروا العالم؟ أكيد! مخترعين وفنَّانين ومفكِّرين كتير غيَّروا حياتنا وحياة أجيال جايَّة قدَّام.. دُعاة سلام وأصحاب فكر ومناضلين قدِّموا تضحيات وكانت النتيجة تغيير حاجات كتير في العالم.. لكن السؤال هو: هل كان طول الوقت هدفهم هو تغيير العالم؟ هل الأم تيريزا مثلاً كانت قاعدة تفكَّر "أعمل إيه أو أقول إيه عشان العالم يتغيَّر؟" أو مانديلا مثلًا قرر إنه ينادي بفكرة معيَّنة عشان "العالم يتغير"؟ هل المخترعين المشاهير بيقعدوا يفكروا إزاي يعملوا منتج يغيَّر الدنيا؟ مش متهيَّألي!

اللي غالبًا بيحصل هو إن الناس دي (اللي غالبًا بينتهي بيها الحال بإنها فعلًا بتغيَّر العالم) بيقضوا وقتهم في الشغل على قضيَّة مقتنعين بيها، حرِّيَّة بيطالبوا بيها لناس حواليهم، فكرة اختراع فيه احتياج ليها، مبادرة تساعد أهاليهم أو ناس بيشوفوها في تعاملاتهم، لكن مش متهيَّألي منطقي إننا نتخيَّل إنهم قاعدين في مكاتبهم أو بيوتهم ولسان حالهم "أقول إيه النهاردة عشان ملايين من الناس تتغير؟" أو "أتصرف إزاي في الموقف ده عشان أكون مصدر إلهام لناس تانية؟"!

على الرغم من إن كتير مننا بيلاقوا إلهام وتشجيع ومصدر للإيجابيَّة من "ناس مشهورة"، إلا إن أغلبنا لو اتسأل عن شخص غيَّر حياته أو أثَّر فيه أو تلامس معاه بشكل عميق غالبًا الرد هايكون عن شخص "مش معروف"، واحد كان معاك في الجيش أو مدرس كان بيدرِّس علوم وقالَّك إنك شاطر، أو خال كان واثق في قدراتك، أو أو أو..

الخوف من محاولتي لتغيير العالم هو الخوف من اتِّجاهي ناحية إني أكون ربِّنا! أيوة! أكون إله مش مجرد مخلوق! أكون بأسعى للحالة اللي فيها أكتب تويت أو كلام على فيسبوك وألاقي مليون واحد بيتكلم عن كلامي.. الفكرة دي أقرب للشيطانية منها للإنسانية! اتخلقنا كإنسان عشان نتعامل ونتلامس ونتجاوب مع بعض، مش عشان "نغير" "الملايين"! اللي بيحصل هو إن اللي بيوصل لمليون مشاهد أو مليون ريتويتس بيبقى عايز يخليهم اتنين مليون وتلاتة مليون.. بأبقى بأحلم بوصولي "لأغلب الناس".. بأتعامل مع البني آدمين على إنهم أرقام بأسعى للوصول لأكبر عدد فيهم..

واضح جدًا إن دي مش دعوة لتغيير العالم بالصورة التقليدية، ولا هي دعوة لتغيير العالم عن طريق تغيير نفسنا، لكنها دعوة لعدم محاولة تغيير العالم من أصله! دعوة لمراجعة دوافعي: هو العالم اللي أنا عايز أغيَّره ده عايز أغيَّره ليه، وإيه هو العالم ده؟ هل هو مجرد آلافات من البشر أو ملايين من المشاهدين أو القراء؟

اللي بيغيَّر حاجة في حياة اللي حواليه بيغيَّر عشان بيحب! بيسعى للتغيير عشان شايف قضية مهمة أو مشكلة كبيرة أو أزمة مؤرِّقة.. أتمنى أخلي أصحابي أسعد، وأحب أخلي أمي وإخواتي مبسوطين أكتر، ولو الملايين اللي عايشين في أماكن تانية مااتغيَّرتش مش هايحصل حاجة على فكرة! ومش فارق على فكرة إني أكون شخص مؤثر لمجرد إني أكون مؤثر! لكن أحب أكون شخص مؤثر في حياة اللي أعرفهم عشان حياتهم تكون أفضل.. بدل ما يكون البديل هو إني أكون "مشغول" قوي بمحاولة تغيير العالم وألقى إن اللي حواليَّ بقوا غُرب وبعيد عني!
   
تعالوا نستثمر الوقت اللي بنفكَّر وبنحاول فيه إننا نغيَّر العالم بإننا نعيش حياة صحيحة ونتعامل مع ناسنا وأصحابنا والقريبين مننا وجيراننا بحُب، نخدمهم ونسهِّل عليهم الحياة، ونقضي معاهم وقت أطول، وكل واحد فينا يشتغل على فكرة أو قضية أو مشكلة شاعر إنها مهمة، وممكن نسيب موضوع تغيير العالم ده! لو سمحتوا يعني! :)