Sunday, October 21, 2012

عايز أرجع صغير

مرات كتير بنستغرب على أحلامنا وتطلعاتنا لما كنا صغيرين.. بنشوف فيها بعض السذاجة إننا كنا نتمنى نكبر بسرعة.. بنحس إننا لما كنا أطفال ماكنّاش فاهمين قد إيه الكبار بيعانوا وقد إيه المسئولية ضخمة والحِمل صعب والظروف فيها تحديات مقارنة بالمسئوليات اللي على الأطفال.. وساعات نتريق على براءتنا وبساطتنا الزيادة وقت ما كنا أطفال وبنحلم باليوم اللي نقدر فيه نسيب بيوتنا أو نعرف نسوق أو نكسب فلوس أكتر أو نبطّل نذاكر..

ولما بنكبر أغلبنا (مش كلنا) بنبدأ نفهم إن الموضوع مش بالسهولة دي.. وإن الحكاية مش ببساطة "الحمدلله ماحدش هيقوللي ذاكر" ولا "ماحدش هيغلّس عليّ في المصروف".. ولا "أخيرا هأقدر أطلّع بطاقة وأسوق وأتجوّز وأدّي صوتي في الانتخابات".. بنفهم إن تحديات المرحلة الجديدة هي تحديات جديدة.. وإن مع كل مرحلة فيه تحديات بتتناسب إلى حد كبير مع المهارات اللي اكتسبناها بوصولنا للمرحلة دي..

إلا إن السذاجة ساعات بتكمّل معانا.. لأننا مع إننا بنستغرب على أمنياتنا البسيطة لما كنا صغيرين إننا نكبر, برضه بنرجع نتمنى وإحنا كبار إننا نرجع صغيرين! بنرجع نحس إنه مهما كان, الطفولة برضه كانت جميلة بكل البراءة والبساطة اللي فيها.. بعدم تحمّل المسئولية.. بوجود أب وأم يرشدوا ويصححوا ويشيلوا بلاوي ومشاكل بالجملة..

"ليت الشباب يعود يوما" و"أحلى أيام حياتك هي أيام الجامعة.. ماتضيعهاش" هي من الجمل اللي شرحها صعب وفهمها يكاد يكون مستحيل للي لسّة في مرحلة "الشباب" أو "الجامعة".. وصعوبة فهمها مش لأنها معقدة, لأ.. ببساطة لأنها مش منطقية.. مش صحيحة.. لأن إذا كانت مرحلة معينة أفضل من باقي المراحل إيه تفسيرنا لعدم وجود اتفاق ولو حتى ضمني من اللي بيعدّوا في المراحل دي إنهم في قمة الاستمتاع؟..

اختياري للسعادة والانطلاق هو اختيار ناتج عن قرار ومحاولة تطويع الظروف بعد كده.. مش العكس.. كل المراحل ممكن يكون فيها براءة وبساطة وانطلاق وحب وتحمل مسئولية وشيلان هم.. كل المراحل ممكن يكون فيها حبسة وخنقة ولعب وإبداع..

من أكتر الحاجات الغريبة هي إن الناس اللي بتدور على السعادة هي في الغالب ناس سعيدة أصلا!.. هم دول اللي دايما يقولوا "السعادة حوالينا في كل حتة" وهُم دول اللي بيقتبسوا أقوال عن السعادة والجمال والحب.. في حين إن التُعسا هم أكتر ناس بتدور علي "أسباب لتعاستهم".. بيشوفوا تبريرات ومسببات للحزن والظروف الصعبة والكآبة.. الفريقين دول في الغالب محتاجين يعكسوا أدوارهم!

سواء توجّهات البعض بإن "أتمني أرجع شباب تاني" أو "خلاص بقى.. حسن الختام.. هو الواحد هيعيش زمنه وزمن غيره" فالتوجهين للأسف بيشاوروا على سعادة "بعيدة".. سعادة "بتحصل للي أصغر مني" أو سعادة "هاتحصل لما أكبر".. يعني ببساطة سعادة "هناك".. مش هنا.. سعادة تيجي "بعدين" أو "قبلين" لكنها مش متاحة "دلوقت".. ولأننا زمنيا في أي لحظة في حياتنا إحنا بنعيش "دلوقت" حتي لو ده حصل بكرة برضه بكرة هنسميه "دلوقت" إذاً يمكن نكون في احتياج لإعادة تقييم حكاية "عايز أرجع صغيّر"

أقدر أقرر أتبسط وأنا صغير أو كبير.. النهاردة مش بعدين..

Monday, October 15, 2012

أحلى صباح

قرينا من كام يوم خبر جواز صباح للمرة التامنة عن سن 89 سنة.. وبعيدا عن تفاصيل الخبر وعن صحة حكاية موسوعة جينيس من عدمها إلا إن ردود الأفعال ناحية الخبر بتدل على كذا حاجة..

وعلى الرغم من اقتناعنا العقلي بإن من حق أي واحد يتجوز في أي سن هو عايزه إلا إننا برضه بنلوم ونعتب ونتريق ونستنكر.. عندنا شعور ضمني بإن فيه مرحلة معينة من الحياة "مش من حق" الكبير أو العجوز أو المسن (أو أياً كانت التسمية) إنه يفرح ويهيّص ويعمل حاجات تبان لينا إنها تافهة.. الكبير في السن يقعد في البيت منتظر إنه يموت.. يتفرّج على التيليفزيون حسب ميول باقي أفراد الأسرة.. يروح معاهم الأماكن اللي يروحوها.. وياكل الأكل الموجود.. في المرحلة دي "ممنوع" إنه يبقى "نِفسه" في حاجة.. الأحلام والتطلعات والكلام ده هو بس للي لسة قدامه على الأقل بتاع تلاتين أربعين سنة في عمره!

فكرة غريبة.. ومؤلمة.. بنوعظ وننصح بمعدل رهيب قد إيه الحياة حلوة وقد إيه التفاؤل كويس.. بنسمع أقوال مأثورة عن الأحلام والتطلعات مهما كان الإحباط والمشاكل.. لكن نيجي عند محك حقيقي نتصرف بطريقة مختلفة..

كلنا بنحب صباح وهي في العشرينات من عمرها.. وهي في العشرينات من حقها تغني وتمثل.. من حقها تلبس أحلى فساتين.. من حقها تحب وتتجوز.. من حقها تصرف فلوسها زي ما هي عايزة.. لكن لو فكرنا كويس يمكن نلاقي إن صباح وهي 89 أحلى.. أحلى في حبها للحياة.. أحلى في تصرفاتها اللي مش بتضايق حد لكن بتحققلها سعادة.. أحلى لأن وهي مش معاها فلوس ولا شغل ولا جمال قادرة إنها تعيش وتتبسط وتعبر عن مشاعرها.. قادرة إنها تكون جذابة لشخص مش مضطر بأي حال من الأحوال إنه يرضى يرتبط بيها..

اقتناعنا بإن الانتحار مش صح أخلاقياً لأننا مش بنمتلك حياتنا مش بيمنعنا من إننا نشعر إنه "الحل الوحيد" للي عجّزوا.. حتى لو ما انتحروش حرفيا إلا إننا بنأكد ليهم إن "الحل الوحيد" هو انتظار الموت.. ماهو مش معقول بعد ما شاب يودّوه الكتّاب.. فمش من حقه يتعلم حاجة جديدة ولا يمارس هواية مختلفة ولا يسافر (أصلنا خايفين عليه) ولا يتجوز (أصل هاتيجي واحدة تضحك عليه وتاخد فلوسه) ولا يحلم ولا يعيش في مكان جديد ولا يشتري حاجة جديدة غالية.. ولا أي حاجة.. بس ممكن يتنفّس!

أعتقد إن صباح الحلوة الجميلة الموهوبة الشيك الغنية لو قارناها بصباح دلوقتي هنلاقي إن صباح دلوقتي هي صباح اللي شايفة الحياة جميلة حتى لو مافيش فلوس.. وحتى لو الجمال راح.. حتى لو مافيش شغل ولا أضواء ولا برامج ولا جوايز.. صباح اللي لو في مكان تاني كانت تبقى نموذج لحب الحياة.. نموذج للرغبة في الاستمرار بغض النظر عن الظروف.. حتى لو سمعها ضعف.. حتى لو مش قادرة تغني أو تتكلم زي زمان.. فعلا "غريبة لعبة الساعات" على رأي عبد الرحمن الأبنودي اللي كتب الأغنية المشهورة "ساعات ساعات"..

مقارنة بالوقت اللي فات أعتقد إن صباح 2012 ببساطة هي أحلى صباح


Sunday, October 14, 2012

الإمبراطور العريان

في القصة المشهورة "ملابس الإمبراطور الجديدة" الإمبراطور بيستدعي اتنين من أشهر صانعي الملابس وبيطلب منهم تصميم لبس جديد ليه.. الاتنين المصممين بيوعدوه بلبس متميّز.. لبس مختلف تماما عن أي حاجة أي حد شافها قبل كده.. للدرجة اللي فيها اللبس الجديد ده ما حدش أبداً يقدر يشوفه إلا لو ذكي ومتميّز ومالي مركزه.. على مستوى الإمبراطورية الناس كلها بتسمع عن اللبس الجديد وكل الناس متشوقة إنهم تشوف الإمبراطور باللبس المتميّز ده

طبعا لما بييجي معاد إنهم يسلموا الإمبراطور اللبس الجديد بييجوا مش جايبين معاهم ولا حاجة.. وبيبدأ "يفرّجوا" الإمبراطور والوزرا والمستشارين بتوعه على اللبس.. وطبعا لأنه مكسوف يقول إنه مش شايف حاجة (وإلا هيبقى غبي ومش مالي مركزه) بيقولهم قد إيه اللبس هايل وعاجبه.. ونفس الكلام بيقوله كل وزير ومستشار وكل واحد فيهم فاكر إنه الوحيد اللي مش شايف اللبس.. لكن طبعا مكسوفين يبانوا أغبيا قدام الإمبراطور والباقيين..

بيبدأ الاتنين دول يلبسّوا الإمبراطور اللبس الجديد كأنهم فعلا شايفينه والإمبراطور مش قادر يقول حاجة.. وفي معاد ظهور الإمبراطور للشعب عشان يبهرهم بالملابس الجديدة بيطلع الإمبراطور عريان قدّام الشعب كله.. الشعب كله بيبدأ يهلل ويهيّص ويحيّي الإمبراطور.. كل الناس بتقول قد إيه ذوق الإمبراطور هايل في اللبس.. قد إيه التفصيلة لايقة عليه..  

الشعب كله شايف إن الإمبراطور مش لابس حاجة.. لكن كل واحد مكسوف يقول أنا مش شايف اللبس الجديد أحسن يقولوا عليه غبي.. الناس كلها كانت عارفة إن اللبس غير منظور للأغبيا.. كل واحد فيهم يا إما "كدّب عينيه" وقال أكيد أنا مش باصص كويس.. أو كان شايف بس قال "مش معقول أنا اللي هاأطلع فلّوطة يعني".. "ماهو مش معقول يعني يكون كل الشعب ده والوزرا والمستشارين والإمبراطور نفسه بهايم وأنا اللي بأفهم"..

كل ده لغاية ما عيّل صغير زعّق وقال "إيه ده؟ الإمبراطور طالع عريان؟"..


لغاية هنا وبتخلص القصة.. لكن مش بتخلص تطبيقاتها ولا أمثلتها في الحياة.. اللطيف إن كاتب القصة دي هانز أندرسون نفسه حصلت معاه حاجة مشابهة وهو صغير.. كان واقف مع مامته بيتفرجوا على موكب الملك فريدريك السادس ولما ظهر الملك راح أندرسون اللي وقتها كان برضه عيّل صغير زعّق وقال "ماهو بني آدم عادي أهو!".. مامته زعقت فيه وقالته "إنت اتجننت؟"


الحاجات اللي بنتوقع إن أكيد القائمين عليها فكّروا فيها.. أو أكيد المسئولين عارفين.. أو أكيد على الأقل عارفين أكتر مننا.. ممكن ببساطة تبقى لبس جديد مش موجود.. أو خطة تنموية تخيلية.. أو تخطيط للمستقبل لا يتعدى كونه تخطيط "تعبيري".. والكل مكسوف يقول إن الإمبراطور مش لابس حاجة..


البصيرة والنظرة الثاقبة مش دايما محتاجة الخبرة والحنكة السياسية.. بعض الحاجات بسيطة للدرجة اللي ممكن طفل صغير يكتشفها.. لو بس تخلّى عن خوفه هيقولوا عليه إيه.. لو بس ما همّوش يتريقوا أو يفتكروه بيتفلسف أو "جاب التايهة"..

مش كل حاجة بيعملها الملك أو بيقررها الوزير أو بيوافق عليها الرئيس تبقى أكيد أكيد أكيد صح.. واللي يكسف إن ساعات كتير الموضوع بيبقى مش محتاج أكتر من عيّل صغيّر عشان يشوف إن الإمبراطور عريان!
 

Saturday, October 6, 2012

الصمت المشبع

لما الناس بتبقى ساكتة ممكن نحتار في فهمنا للسبب.. ويمكن عشان كده ناس كتير بتحاول تفسّر يا ترى اللي ساكت "بيقول" إيه.. بيحاول "يتواصل" بإيه.. إيه الكلمات اللي كان هيقولها لو كان هيقول أي حاجة..

وجايز تكون خناقات كتير بسبب مش بس اللي الناس بيقولوه لكن كمان بسبب اللي "مش بيقولوه".. وعلى الرغم إن مننا كتير مش بيعجبهم العجب يعني لو الواحد بيتكلم كتير يتضايقوا ولو بيتكلم قليل يتضايقوا برضه إلا إن أغلب الناس في صف "التعبير بالكلام".. أغلب الناس بيشجعوا فكرة "اتكلم علشان أفهمك" أو "قُللي عايز إيه" عن إنك "تسيبني محتار مش فاهم سكوتك"..

بتعجبني الجملة الشهيرة بتاعة إن الطفل بيقضي حوالي سنتين من عمره بيحاول يتعلم الكلام وباقي عُمره كله بيحاولوا يسكّتوه! إلا إن اللي بقالي كام يوم بأختبره على المستوى الشخصي هو نوع جديد عليّ من الصمت.. نوع بالنسبالي غريب ومش بيحصل كتير.. صمت من نوع مختلف.. سكوت مُشبع.. مش سكوت حيرة ولا سكوت بسبب إني ماعنديش كلام أقوله.. ومش سكوت حُزن أو ندم.. لكن سُكوت انبهار..

الوقت اللي فيه بأسمع "فكرة" جديدة أو زاوية مختلفة من موضوع عادي ممكن يكون رد فعلي السريع إني أعلّق تعليق أيجابي أو أُثني على الفكرة أو أعبّر عن إعجابي باللي قال الفكرة.. ممكن أول رد فعل يكون إزاي نطبق الفكرة دي عمليا..أو أقترح تعديلات للفكرة عشان تكون أحسن.. إلا إن الجديد إني اليومين دول عمّال أتخبط في كذا فكرة بيخلّوني من كُتر إبهارهم "أسكت".. أسكت مش عشان مش لاقي كلام أقوله.. أسكت مش عشان أحاول أفهم.. لكن بصراحة مش عارف بأسكت ليه.. كما لو كان السكوت ده هو أعلى تعبير للاحترام عارف أقدمه.. كما لو إن الصمت هو أعلى صوت تصقيف يعبّر عن انبهاري بالفكرة وعن عجز كلام التشجيع والإطراء عن التعبير..

اكتشفت إن كان بقالي كتير ما حستش بالشعور ده.. واتبسطت قوي.. اتبسطت من وجود أفكار وآراء ونظريات وأساليب مناقشة مبهرة لدرجة عجز رد الفعل المعتاد عن التعبير..

أنا مبسوط إني اتخبطت في كام فكرة من النوع ده.. اتبسطت إنه لسّة فيه عالم كبير من الأفكار والتوجهات والنظريات وأساليب التفكير اللي ممكن تبهر وتنوّر لدرجة معاها "نُسكت" كما لو إن السُكوت ده هو أعلى تعبير للاحترام..


صمت المتعبد قُدام الخالق اللي بيبهر بجماله وقداسته يمكن يفسّر قيمة السكوت.. سكوت مش معناه "غياب الكلام".. سكوت مش معناه "فترة راحة".. سكوت مش معناه "تحضير للكام جُملة اللي جايين".. سكوت مش معناه "مرحلة اختيار أقول إيه".. وحتى مش سكوت "عشان أفهم وأقلّب الكلام اللي سمعته".. لكنه السكوت اللي بييجي بعد الفهم.. السكوت اللي بعد الانبهار.. الصمت اللي يكاد يرقى لمرحلة أعلى تعبير عن سمو ورقي الفكرة اللي سمعتها..

عشنا عمرنا بنتكلم ونعبر ونوضح.. بنتخانق ونزعّق ونوبّخ.. بنعاتب ونوعّي وننصح.. عشنا وقت كبير بنوعظ ونحلل ونشجع.. بنعلّم.. ونغنّي.. ونطالب بحقوقنا ونصحح معلومات ونقول اللي جوانا.. 
يمكن جه الوقت اللي فيه ندوّر مش بس على اللي يخلينا نعبّر أفضل.. لكن ندوّر على اللي يبهرنا للدرجة اللي مانلاقيش كلام نرُد.. ومايبقاش مطلوب مننا نرُد.. ونبقى مبسوطين من السكوت اللي نخاف "نبوّظه" بالكلام.. الصمت اللي يبان عجز لكنه الصمت المُشبع..